الفصل الثاني: تجاوز موت الصديق أربعة وعشرون عاما في مشروع نفق سيه كان

الفصل الثاني

تجاوز موت الصديق

أربعة وعشرون عاما في مشروع نفق سيه كان

========================

كلمة من المترجم د. أحمد المنصور

كنت مصراً على ترجمة هذا الكتاب لما فيه من قوة و عاطفة

قوة في الإصرار على النجاح

وعاطفة ظهرت عند لحظات النجاح و أثبتت أن البشر أقوياء للتغلب على الصعاب ومع ذلك تذرف دموعهم عند النجاح

مررت بنفق سيه كان الواصل بين أقصى شمال جزيرة هونشو و جزيرة هوكايدو

وأنا جالس في القطار أنظر إلى الشاشة التي تشير كل فترة إلى موقع القطار من النفق

وفجأة أعلنت إذاعة القطار أنه بعد لحظات سيصل القطار إلى أخفض نقطة في النفق

وهذه تعني أنه سيكون فوقنا 150 متراً من الصخور و 100 متر من مياه المحيط الهادئ

كانت لحظة تاريخية بالنسبة لي

تصورت كما يتصور كل عربي ماذا لو انهار النفق علينا

كنت حينها أخفي خوفي و أنا أسير ضمن نفق من إنجاز البشر و لأول مرة في التاريخ

ثم خرجنا من النفق

إنه إنجاز من إنجازات البشرية

أدعوكم لقراءته

==========================

أوتاني تويوجي: لنذهب إلى هوكايدو أيها الأصدقاء. هذه هي هوكايدو الموعودة.

ثقل الوعد

رجل سخر نصف عمره للوفاء بوعده لصديقه الراحل. إنه أوتاني تويوجي الذي قاد فريق الحفر المؤلف من مائتي رجل في مشروع نفق سيه كان العظيم.

لقد كان اليوم السابع والعشرين من شهر يناير(كانون الثاني) من عام 1983يوماً خاصاً بهؤلاء الرجال. جاء اليوم الذي نفذ فيه النفق إلى الطرف الآخر بعد تسعة عشر عاماً من بدء المشروع.

لقد كان حفراً صعباً جداً فقد بلغت مسافته ثلاثة وعشرين كيلو متراً تحت قنال تسوغارو بين جزيرتي هوكايدو وهونشو.

اقتربت لحظة لقاء فريقي العمل, فقد بقي متراً واحداً للحظة لقاء الفريق الذي بدأ من تابي في هونشو مع الفريق الذي بدأ من يوشي أوكا في هوكايدو.

إنها اللحظة التي انتظرها ثمانمائة رجل على عمق مائتين و أربعين متراً تحت سطح البحر.

لقد بدأ العد التنازلي لتلك اللحظة في الساعة التاسعة و أربع و عشرين دقيقة صباحاً. عشرة، تسعة، ثمانية، سبعة،………،اثنان، واحد وتم الاختراق.

ارتص الرجال بتأثير صوت الديناميت المتفجر أكثر فأكثر.

وفي تلك اللحظة هبت الرياح بين تابي و يوشي أوكا لأول مرة وتم وصل هوكايدو و هونشو بطريق واحد. صاح الرجال بصوت عال يعيش، يعيش. ذرفوا الدموع وعانق بعضهم البعض فرحاً بالنصر. وأخذ رجل واحد من بين الجميع ينظر إلى طرف هوكايدو و من خلال الثقب المفتوح. إنه أوتاني تويوجي قائد فريق الحفر الذي انطلق من تابي لخمس وخمسين عاماً. كان في يده صور لستة رجال سقطوا على الطريق. لقد سقط ضحية هذا المشروع الأول من نوعه في العالم أربعة وثلاثون رجلاً. وكان هؤلاء الستة من بين الجميع أصدقاء أوتاني. لقد مات تاكاهاشي شوجي عندما انقلبت عربة نقل التراب. بينما مات الآخرون هوصوكاوا ماسايوكي، ساتو شوظو، أونوديرا شيفه ماتسو، ماكينو تاداإيتشي، وناغاشيما شوظو بانفجار و تكسر إحدى الآلات. لقد وعدهم أوتاني خلال جنازاتهم: “سأحمل معي بكل تأكيد أرواح الذين ماتوا على الطريق إلى هوكايدو. سأعمل ما بوسعي حتى لا أموت كي أحمل أرواحهم معي إلى الطرف الآخر”.

لقد حمل أوتاني هذا الوعد في صدره تسعة عشر عاماً. وعندما هبت الريح من طرف تابي مشى أوتاني بخطىً وئيدة باتجاه الثقب حاملاً معه ذكريات أصدقائه الستة. عندما صاح أوتاني: “لنذهب إلى هوكايدو أيها الأصدقاء. هذه هي هوكايدو الموعودة”.

تاريخ نفق سي كان:

اهتاج قنال تسوغارو بسبب الإعصار رقم 15 في السادس و العشرين من شهر أيلول عام 1954 . وقد هدأت الرياح عند المغرب مؤقتاً في ذلك اليوم, فانطلقت السفينة لرياح زادت سرعتها عن أربعين متراً فغرقت حينها خمس سفن بما فيها تويامارو، وذهب ضحيتها حوالي ألف وأربعمائة و ثلاثين شخصاً. وكان هذا الحادث ثاني أسوأ حادث في تاريخ النقل البحري في العالم. وقد تركز اللوم بعد الحادث على شركة الخطوط الحديدية اليابانية التي كانت تدير النقل بالسفن. وأعلنت حينها الخطوط الحديدية اليابانية بشكل رسمي ما كانت أخفته قبل الحرب عن عزمها على حفر نفق سيه كان. وعلت الأصوات بأنه لا توجد تقنيات لحفر مثل هذا النفق لأن الأرض كانت ضعيفة تحت قنال تسوغارو . ولكن كاسويا أتيسوو مدير قسم الإنشاءات في الخطوط الحديدية نجح في تحرياته عن قاع القنال مع فريقه. وهكذا بدأ العمل في النفق عام 1964 في نفس العام الذي قامت فيه الألعاب الأولمبية في طوكيو. وكان مقرراً إنجاز النفق في عشرة أعوام. كان عليهم حفر ثلاثة أنفاق ، النفق الأولي ، نفق الصيانة، والنفق الأساسي وكان النجاح أو الفشل متعلقاً بالنفق الأولي . فقد كانوا يواجهون مع كل تقدم في النفق الأولي طبقات أرضية جديدة لم يسبق لهم العمل بها. وكان عليهم ابتكار تقنيات جديدة لذلك. وإذا لم يتجاوزا هذه الصعاب في النفق الأولي فكيف يمكنهم حفر النفق؟ ومن أجل ذلك تم في نفس العام استدعاء فريق مؤلف من أربع وسبعين رجلا كانوا يعملون في نفق أوياشيرازو بين نييغاتا و تومايا. وكان الفريق مؤلفاً من خبراء في الهندسة المدنية و الهندسة الميكانيكية و الهندسة الكهربائية، فمن لديهم خبرات في مشاريع كبيرة وصعبة مثل نفق كوري كارا في خط هوكوريكو الحديدي، ونفق أوكامي ساكا في خط كيسيه الحديدي. وكان المهندس أوتاني تويوجي أحد هؤلاء الخبراء.

السيرة الذاتية لأوتاني تويوجي:

ينتمي أوتاني إلى عائلة مزارعة. قال له والده في السنة الثانية من المرحلة الأعدادية: ليس رجلاً من لا يأكل طعام الجيش. وهكذا انتمى أوتاني إلى الجيش و أصبح يرتدي البذة ذات الأزرار السبعة. وبعد تخرجه من مدرسة الاتصالات في محافظة ياماغوتشي، وقعت خسارة اليابان في الحرب، فانتقل إثر ذلك إلى الجيش النظامي. ثم انتقل بعدها إلى شركة مي تتسو التي كانت تنفذ عقوداً للخطوط الحديدية اليابانية. وترك العمل في هذه الشركة بعد أربع سنوات، وأصبح يعمل بشكل مباشر في فريق عمل نفق كوري كارا. كان عمره حينذاك ستة وعشرين عاماً وهو عمر متقدم لبدء العمل في الأنفاق وكانت رتبته الثالثة في الفئة الثانية بين رجال الأنفاق، وهي أخفض الرتب. وتذكر أوتاني اليوم الأول الذي دخل فيه إلى النفق. كان يعتقد أن الجميع أعداؤه، فقال لنفسه: يجب أن لا أخسر. كان معظم الرجال خشنون في الحقيقة ولم يعيروا أوتاني اهتماماً ولم يعلموه العمل، بل كانوا يضطهدونه خاصة وأن ملامحه كانت تدل على القوة. كانوا يقفون عاجزين عن فعل أي شيء أمام أوتاني الخارج من الجيش مؤخراً خاصة إذا حدق بهم بنظراته القوية. واستمرت أيام طويلة لم يتمكنوا فيها من التقدم بسبب الصخور وكان أوتاني يتعلم المهنة سرقة، لأنهم لم يدعوا له طريقة غيرها. وقرر أن يري باقي الرجال الذين يحفرون عادة متراً ونصف المتر مقدرته على حفر ولو عشرة سنتيمترات أو عشرين سنتيمتراً أكثر منهم. كان مقداماً وعلى رأس المتقدمين ولا سيما عندما ينهار جزء من النفق, فيسارعون لإزالة التراب وإنقاذ من دفنوا تحته. فارتفعت رتبته خلال ثلاث سنوات فقط من الثالثة إلى الأولى في الفئة الثانية ، ومن الثالثة إلى الأولى في الفئة الأولى ولم يكن له نظير بين رجال الأنفاق في سرعة الحصول على الترقية, وقد كان محترماً جداً من قبل رجال الأنفاق لفنائه في العمل، وتفوقه التقني، ورجولته. جاءته دعوة للمشاركة في نفق سي كان عندما كان في السادسة و الثلاثين من العمر. فاعترضت أسرته على مشاركته في هذا المشروع لصعوبته وطول مدته ولكن ذلك جعله يزداد حماساً.

((لو كان نفقاً عادياً لحفره أي شخص ولكنه نفق تحت البحر ولا يقدر عليه أي كان وعلى أية حال طالما أنهم قرروا وصل هوكايدو بهونشو، فلا توجد سعادة أكبر من أن نكون ضمن من يحفر هذا النفق)).

أصبح أوتاني رئيساً لفريق مؤلف من مجموعة بنائيين. ولدى وصوله إلى هوكايدو استقبله حوالي ألف شخص من قرية يوشي أوكا التي كانت حياة أهلها صعبة لتوقف السفن العابرة بين هوكايدو و هونشو التي تنقل احتياجاتهم بين حين وآخر.

((يجب أن نحفر هذا النفق، من أجل أهالي يوشي أوكا، فجميع الأهالي ينتظرون هذامنا،وعلينا ألا نخيب ظنهم)).

وبعد أن انتقل إلى قاعدة تاببي في محافظة أوموري، أصبح الرئيس الأعلى لفريق يضم مائتين من رجال الأنفاق. وكان عمره حينذاك ثمانية وثلاثين عاماً. ولم يكن يعتقد أن هناك أحداً أقدر على القيام بهذا العمل بما يحمله من صعوبات متوقعة سوى أوتاني على الرغم من صغر سنه. كان أوتاني يستيقظ في الرابعة من صباح كل يوم، ويتوجه إلى مقدمة النفق دون استراحة أو كلل. وكان كحمام البخار بحرارته ورطوبته المرتفعتين داخل النفق، والعمل مستمر تحت قنال تسوغارو، ولا يعلم المرء متى تتسرب مياه القنال إلى النفق.

قال لرجاله: “الصخور حية فلا تأمنوها. اليوم غير البارحة”. كان أوتاني حذراً جداً، خوفاً من حدوث انهيار صخري، ولكن الحادث الحقيقي كان يبدأ عند ظهور التعب وفقد التركيز في مكان العمل. وماهي إلا أيام، ومات أحد عناصر تاكاهاشي شوجي، عندما انقلبت عليه العربة التي تنقل الصخور والرجال، وحصرته بينها و بين الرجال. كان هذا أول الحوادث. ولم يكن في منطقة تاببي معبداً. فانهار أوتاني وهو يصلي على صديقه صلاة الجنازة.

“أشعر بحسرتك لموتك قبل اختراق النفق. تمنيت لو شربنا معاً خمرة الفرح عند الاختراق. وددت مصافحتك عند الختام”.

وفقد أوتاني بعد ذلك الكثير من زملائه، وحمل هماً وعبئاً كبيراً لموتهم. كان الجميع في ذلك الوقت يعتقدون أن المشروع ستتجاوز مدته المقررة عشرة سنوات وربما يحتاج إلى ربع قرن ليتم إنجازه.

كلمات أوتاني:

قال أوتاني على متن السفينة التي تعبر قنال تسوغارو: “كان الشعور باردا” وكأني أدخل في مخزن. ربما لن أعود إلى موطني ثانية. كان جميع الأصدقاء صامتين، وبدأت وجوههم قاتمة. حدث تسرب مياه كبير في النفق، فأمرهم الرئيس يوكوياما بإخلائه، عندها فكر أوتاني: إذا كنت سأغرق فعلي أن لا أغرق مع السيد يوكوياما.

كان الماء يتسرب بمعدل 12 طن في الدقيقة: إنه من دواعي الحزن و البكاء أن يغرق الماء رجل الأنفاق في النفق الذي حفره بنفسه. كنت أفكر بإنقاذ متر أو مترين أو ما استطعت.

ليلة اختراق النفق: لم نشرب الخمر بل اغتسلنا به.

عندما أصبح أوتاني في الثانية والسبعين من العمر قال: أنا فخور بأنهم جعلوني أشارك في نفق سي كان.

كلام زوجة أوتاني السيدة تشيئكو: قال لي بأن لك زوجاً عظيماً. إنه موضع فخر لعائلتنا أن عملك كله مسخر لحفر الأنفاق.

أوتاني الإنسان:

“على أية حال، إن متعة شرب الخمر عند اختراق النفق إلى الطرف الآخر لا تعادلها متعة. كان لذيذاً جداً لدرجة أن السكر كان مختلفاً”.

عندما وصل أوتاني رئيس الفريق مع رفاقه إلى تابي، قرروا شرب الخمر حتى الثمالة. علماً أنه لم يكن ممن يحبون الشرب، بل كان ضعيفاً. وبالطبع، كانت هناك خلف هذا الإنجاز لكن لا أحد يعلم متى ينتهي العمل في النفق. كان العمل في حفر النفق يحفز ويثير رجال الأنفاق للاستمرار. لقد تجاوزت صعوبة الحياة المشتركة في تابي حد التصور. كان ثمانون بالمئة من يتحدثون مع أوتاني في شؤونهم قلقين من النتائج. “كان علي أن أسمع كلامهم واحداً واحداً. قررت أن أشرب الخمر مع الجميع مع أني لا أحبه “.” كنت أتحدث معهم حول المعاملة، حول النوم، حول الطعام إن كان هناك ما يزعجهم “. كان علي أن أجد الصفات الحسنة في كل واحد من أعضاء الفريق وأمدحهم بها لرفع معنوياتهم”.

أصبح الشعور مختلفاً عن أول يوم بدأت فيه العمل من نفق كوري كارا حيث كان الجميع يعتقدون أني عدواً لهم. لقد قرر أوتاني كرئيس للفريق شيئاً آخر: “لا يجب خلق عصابات.لقد كان من الصعب تشكيل مجموعات العمل”. لقد كان من بين فريق العمل من جاء مع أوتاني من قاعدة يوشيوكا. وآخرين تم توظيفهم في الموقع الجديد.فكر أوتاني أنه يجب ألا يكون هناك تجمع وتخرب سوى تحت فكرة الحفر و الاختراق لوصل جزيرة هونشو بجزيرة هوكايدو وكما لا مكان أيضاً للرغبات و التميزات الشخصية.

وعنما سئل أوتاني البالغ من العمر اثنتان وسبعون عاماً، عن لحظة الاختراق الأخيرة التي حدثت بعد تسعة عشر عاماً، لم يستطع الجواب وحنى رأسه وارتجف كتفه النحيل بشدة.

ثم قال أوتاني وهو يرفع رأسه ببطء: ” عندما سمعت صوت الإنفجار وهبت الريح من تابي إلى يوشيوكا قلت في نفسي فعلناها . ولكن خلف هذا الإنجاز ، بكل تأكيد ، كان هناك خسارة من العديد من الرفقاء. لقد وعدتهم بعزاء أن نعبر معاً إلى هوكايدو. أوعدتهم أم لم أعدهم كان علينا العبور معاً إلى هوكايدو . ثم صرخت عالياً قائلاً لرفقائي الراحلين : “هنا هوكايدو الموعودة”.

منذ ذلك اليوم مرت عشرون سنة تقريباً . ولكن بالنسبة لأوتاني فإن تذكر مشروع نفق سي كان وكأنه يتذكر حسرة رفقائه الراحلين.

وتغير وجه أوتاني . كان وجهه في شبابه وجه شاب لايعرف الهزيمة . ولكن بعد انتهاء مشروع نفق سي كان أصبح وجهه حاداً صارماً وأصبح بريق عينيه قوياً حاداً. واستغرق إكمال النفق خمس أعوام بعد الاختراق. إن وجه القائد الذي وقف أربعة وعشرون عاماً في موقع العمل حيث بذل روحه. إن وجهه لا يعبر عنه بالكلمات كان هادئاً مهيباً.

إن الوعد  الذي قطعه أوتاني لرفاقه الراحلين بأن يصحبهم معه إلى هوكايدو، هذا الوعد بالنسبة لأوتاني لا مفر له من الوفاء به. إن الرفاق الذين رحلوا لم يكن أوتاني يدعوهم بالعمال بل هم رفاق، أصدقاء عمل معهم بقلب واحد. وأخيراً قال أوتاني: “إن التسعة عشر عاماً حتى اختراق نفق سي كان لم يرتح القلب فيه يوماً. كان أوتاني قائداً لا يستسلم ذو قلب قوي(فيه عمق وقوة).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s