الحثالة: المشهد 8

يسعد صباحك دكتور نبيل. كيف الحال؟

الحمد لله بخير. ما هذه المكالمة المفاجئة يا فاضل. لم أسمع صوتك منذ انتهينا من موضوع القرض.

لا تؤاخذني فالأعمال كثيرة و الدنيا تشغلنا. أحتاجك في أمر هام جداً. متى أستطيع لقاءك.

ما هو الأمر الملح؟ هل فيه عمل و نفع؟

طبعاً و هل تعرفني إلا ممن يأتي الخير معهم.

إذاً ألقاك اليوم الساعة الثامنة ليلاً في مقهى الشرف.

اتفقنا.

وصل فاضل إلى مقهى الشرف قبل الموعد على غير عادته. كان يريد وقتاً ليفكر فيه كيف يتحدث في الأمر مع الدكتور نبيل. طلب فنجان قهوة سادة و جلس يتأمل ويقدر الأمور و يحسب كل الاحتمالات. قاطعه حضور نبيل بعد فترة.

مرحباً فاضل. لم تنتبه لحضوري. فيم الشرود؟

لا شيء. لا عليك. تفضل اجلس. هل تشرب القهوة؟

بكل تأكيد. أخبرني ما الأمر الملح الذي أرسلت خلفي لأجله. هل هو متعلق بموضوع القرض المصرفي؟

لا، لا علاقة له بذلك بل هو أمر جديد ستكسب منه مالاً يعوضك عن صفقة القرض التي لم نستطع أن نرضيك فيها.

ما هو هذا الأمر؟

الأمر جد بسيط. عندنا مزاد لاستئجار أرض من الحكومة و أريدك أن تدخل في المزاد لتزيد في السعر حتى لا يرسو على منافسينا.

هذا أمر سهل. وكم هو الثمن؟

دكتور نبيل! أنت دائماً متسرع لتعرف الثمن. وهل عهدتنا يوماً نغش أو نخون.

أبداً و لكن ليطمئن قلبي.

انظر، نحن لن ندفع لك كثيراً و لكن مهارتك في المزاد و جعل السعر يرتفع ستضطران الخصم على التفاوض و هكذا سيعرضون عليك مبلغاً من المال حتى تنسحب من المزاد وهنا بيت القصيد. لقد لجأنا إليك لأنك أستاذ في الجامعة و عندك من المهارات ما يمكنك أن تفعل هذا بسهولة. لا تشغل بالك كثيراً، سأرسل لك التفصيلات كاملة حول الأمر. اتفقنا.

اتفقنا. أراك يوم المزاد.

ولكن احذر من الحديث معي أو الالتفات إلي. يجب ألا يعرف أحد باتفاقنا.

فهمت. لا تخف.

وجاء يوم المزاد. حضر نبيل إلى قاعة المزاد باكراً حتى يعتاد المكان و ويشعر بالراحة. سرح بخياله و بدأ بوضع تصور لمجريات المزاد. هذا سيساعده أكثر على خوض المعركة. نوع من التدريب التخيلي الذي يستخدمه بعض أبطال الرياضة قبل المباريات و المسابقات.

بدأ الناس بالتوافد الواحد تلو الآخر. لا أحد يتحدث مع أحد. الوجوه واجمة تترقب. ثم دخل أخيراً المهندس فاخر. وفاخر هذا هو من طلاب نبيل في الكلية. تخرج و هو الآن يعمل في الجهة الحكومية صاحبة المزاد. نظر فاخر نظرة خاطفة إلى نبيل يفهمه من خلالها أن كل شيء على ما يرام، و أن الاتفاق الذي تم بينهم البارحة ساري المفعول. وهكذا اكتملت السلسلة.

بدا المزاد و علت الأصوات بالزيادات. لم يشارك نبيل في أول الأمر ثم عندما بدأ الناس بالانسحاب ولم يبق إلا الخصم الهدف، رفع نبيل يده بسعر مرتفع. ذهل الخصم من هذا. زاد الخصم في السعر فوق زيادة نبيل، فهو مضطر للحصول على هذا المزاد مهما كلف الأمر. فزاد نبيل السعر. وهكذا احتدم المزاد و بلغ السعر مبلغاً لم يكن في حسبان أحد. وهنا تحرك أحد الأشخاص و كان واقفاً بصمت طيلة مجريات المزاد و اقترب من نبيل هامساً في أذنه: سنعطيك ما تريد على أن تترك المزاد. هذا ما كان نبيل ينتظره. صمت الجميع و فاز الخصم بالمزاد.

في اليوم التالي جاء الخصم إلى مكتب نبيل في الجامعة حتى يدفع له ثمن انسحابه من المزاد. أخرج ظرفاً من جيبه و قدمه إلى نبيل. فتحه نبيل على عجل ووجد المبلغ المتفق عليه بداخله. أغلق الظرف و وضعه في جيبه. وهنا تكلم الخصم وقال: هل لك أن تخبرني لماذا فعلت هذا بي؟ هل أنت مدفوع من أحد؟ ابتسم نبيل وقال: المزادات هذه فرصة لا تعوض للكسب. نعم هناك من دفعني إلى هذا ولكن لن أخبرك. خرج الخصم منزعجاً و ترك وراءه نبيلاً مسروراً بنصره و كسبه.

امسك نبيل سماعة الهاتف و اتصل بفاضل: انتهى كل شيء يا فاضل كما توقعتم و خططتم. هل ستأتي لأخذ حصتك. أجابه فاضل ضاحكاً: صحة و هناء على قلبك، لا أريد شيئاً. استغرب نبيل: ولماذا إذاً طلبت مني فعل هذا و أنت لا تريد لا المزاد و لا المال؟ علت ضحكة فاضل عبر سماعة الهاتف: فقط أذى الناس يسعدني. لا تنسى أن تعطي المهندس فاخر حصته فهو من قام بالترتيبات الإدارية، ثم أغلق السماعة.

الإعلان

الحثالة: المشهد 7

كتبها أحمد عاصم المنصور كانون الأول 2011

في صباح أحد الأيام المشمسة، استيقظ فاضل وفتح النافذة و أطل منها على الحرم الجامعي فدخل الهواء العليل المنعش. قال بصوت سمعته زوجته: نحن محظوظون بالسكن هنا أمام الجامعة. الهواء نظيف و المنظر جميل. نعم إن هذا مسكن رائع. لقد عملت بجهد حتى جمعت المال الكاف لشراءه، كل هذا من كدي و تعبي. أنا أستحق هذا. مالك تحدث نفسك؟ لا شيء سوى أني معجب بمنزلنا. أتدرين لولا طلاب الجامعة وازدحامهم لكان جنة من الجنان. لا أعلم ماذا يستفيدون من دراستهم في الجامعة. أظن معظمهم يأتون للتسلية و إضاعة الوقت. هأنذا لم أدرس لا في جامعة و لا في مدرسة. لا ينقصني شيء، ناجح في عملي، متألق في مجتمعي عندي ما ليس عند الكثيرين من المتعلمين. قاطعته زوجته قائلة: ولكن التعليم ضروري. ألن ترسل أولادنا إلى الجامعة عندما يكبرون؟ ربما أفعل من أجل السمعة و الهيبة أمام الناس. و لكن في قرارة نفسي لا أرى حاجة لذلك. بأي حال مازال الوقت مبكراً على هذا الحديث. عندما يكبر الأولاد سأرى ما يفعله أقراني من التجار و أفعل مثلهم فلست أقل منهم، و أتبع المبدأ القائل: على حسب السوق.سألته زوجته: أراك استيقظت باكراً اليوم على غير عادتك؟ أريد الذهاب إلى الجامعة لزيارة أحد أصدقائي وهو دكتور في الجامعة. سأستشيره في أمر ما. حضري لنا الفطور فقد بقي ربع ساعة على موعدي. التأخير بضعة دقائق لا يضر. سآكل و أشرب الشاي ثم أذهب.

تناول فطوره على مهل دون أن يشغل باله بوقت اللقاء، ثم غادر متجهاً إلى الجامعة التي تبعد أمتاراً فقط عن بيته. ركب سيارته زيادة و إمعاناً في التفاخر. فهو يريد التباهي بها ضمن الحرم الجامعي. أوقفه الحارس على باب الجامعة سائلاً: هل معك بطاقة دخول إلى الحرم الجامعي؟ استغرب من هذا السؤال وأجاب للحارس: أنا أريد زيارة الدكتور نبيل فعندي موعد معه. أصر الحارس على منعه من الدخول تطبيقاً للقوانين. ولكن فاضل دخل بسيارته متباهياً بعد أن حل الموضوع مع الحارس بطريقته الخاصة التي يتبعها لفتح الأبواب و الأقفال.

أوقف السيارة أقرب ما يمكن من مبنى الكلية التي يعمل فيها الدكتور نبيل و دخل إلى البهو سائلاً عن مكتب الدكتور نبيل. صعد إلى الطابق الثاني كما أرشدوه و مشى في الممر حتى وصل إلى آخره حيث مكتب الدكتور نبيل. مرحباً بك يا أستاذ فاضل. لقد تأخرت علي. أعرف ذلك ولكن عادي يا دكتور لا تكن حساساً. التأخير يزيد الحماس للعمل أكثر و يجعل من الأمر مشوقاً. على كل حال، طالما أنك مستعجل لنبدأ بالعمل. ماذا قررت بشأن موضوع المصرف. لقد اتفقت مع جماعة المصرف على أن تكون أنت رئيساً للجنة الهندسية التي ستقرر بشأن القرض. قاطعه الدكتور نبيل قائلاً: و لكن يا سيد فاضل المبلغ الذي يدفعه البنك عادة لمثل هذه اللجان غير كاف لكتابة تقرير كما تريده أنت. ضحك فاضل من قوله: لا تخف سنعطيك حتى ترضى. ولكن متى سننهي هذا الأمر؟ أنا مستعجل و أريد الحصول على المال بسرعة. سأقدم التقرير بعد أسبوع من الآن إلى المصرف ويمكنك أن تأتي قبل يوم من ذلك حتى ترى التقرير بنفسك و تتأكد من محتواه. ولكن ماذا عن باق أعضاء اللجنة؟ هل ضمنتم موافقة الجميع؟ لا تقلق يا دكتور نبيل، كل شيء تم الترتيب له بدقة. أكتب أنت التقرير و هم سعداء بالتوقيع دون كشف أو إطلاع. الكل فرح بما يقبض. ابتسم الدكتور نبيل سعيداً بما سيحصل عليه من المال. انتهى الحديث بسرعة كما كان يتوقع فاضل. بادره الدكتور نبيل بالحديث و هو يهم بالمغادرة: كم ستكون حصتي من هذه الصفقة؟ أليست صفقة وهمية و قرض مصرفي من أجل منشأة وهمية و ضمانات وهمية؟ نظر إليه فاضل مستغرباً: ألم أقل لك أنك سترضى. ولكن أحب أن أعرف. نصف مليون ليرة سورية، مارأيك؟ فغر نبيل فاه من فرحته بالمبلغ، ولكنه قال مستجدياً: هل من الممكن أن نزيدها قليلاً، ثلاثة ارباع المليون مثلاً. يبدو أنك طماع يا دكتور نبيل. لم أدر أن أسعار الخيانة في الجامعة مرتفعة إلى هذا الحد. الذي سمعته من أقراني التجار الذين يأتون ببضائع لفحصها و الحصول على شهادات ووثائق تثبت صلاحيتها مع أنها غير صالحة، الذي سمعته أن الأسعار غير ذلك تماماً. ولكنك تسعى لقرض كبير من المصرف وهذا له ثمنه يا صديقي فاضل. بأي حال، المهم أن تسرع بكتابة التقرير. نسيت أن أسألك دكتور نبيل، هل أنت خبير محلف؟ بالطبع و معتمد لدى العديد من الجهات الرسمية، ومستعد لكل الطلبات. ضحك فاضل و هو قريب من باب الغرفة. يبدو أننا سنتعاون كثيراً يا دكتور نبيل. سار فاضل على مهل في ممرات الكلية متجهاً إلى سيارته ناظراً يميناً و شمالاً متأملاً حال الطلاب قائلاً لنفسه: هل أرسل أولادي إلى الجامعة ليدرسوا على يدي رجال كنبيل، صحيح أن أمثاله يعجبونني للعمل و تيسير الأمور، و لكن في الحقيقة لا أراه مناسباً لتعليم الشباب. نعم أنا أحب الخداع و الكذب وكل ما فيه تحايل ولكني لم أشعر بالكآبة والخزي كما شعرت بهما الآن و أنا أتعامل مع أمثال الدكتور نبيل. نحن نعلم أصحابنا اللافضيلة ولكني لم أحتمل أن تصدر عن رجل من المفترض أن يكون معلماً و مربياً. وهو في خضم تأملاته اصطدم بطالب فصحا من سرحانه و نفض أفكار الفضيلة عن رأسه قائلاً لنفسه: نبيل اسم على غير مسمى. ما يهمني أن ينجز العمل المطلوب. أما الجامعة و التعليم فليس مشكلتي. ركب سيارته و هو سعيد بنصره و لم ينسى أن يلتفت و هو بالقرب من البوابة الرئيسية إلى الحارس الذي وقف له مع تحية عسكرية مبتسماً قائلاً: الله يرزقك يا أستاذ.

الحثالة: المشهد 6

كتبها أحمد عاصم المنصور

جلس فاضل في المقهى منتظراً شريف وقد انتقى مكاناً منزوياً هادئاً ليس فيه اكتظاظ للطاولات، فلم يكن يريد أن يسمع أحد ما يدور بينه و بين شريف. جال ببصره مراقباً الناس من حوله، كانوا على أشكال شتى. منهم من جلس يتحدث عن عمل و منهم من يطلق النكات ضاحكاً بصوت مرتفع مثير للاشمئزاز ومنهم من يلعب الشطرنج و آخرين يلعبون الورق وآخر جلس بمفرده يتأمل حال الناس و يفكر بينما يرتشف فنجاناً من القهوة أطال في شربه وكأنه جرة. لقد تأخر شريف ما الذي حدث له. لقد مضى على موعدي معه أكثر من ربع ساعة. وقف فاضل عازماً على المغادرة و لكنه تذكر أن التأخر على المواعيد هو صفة من صفات أعضاء جمعيتهم. المشكلة أن فاضل هو الذي يتأخر عادة و لكن هذه المرة و لكثرة شوقه و لهفته لسماع قصة شريف فقد جاء قبل الموعد ببضعة دقائق. عاود الجلوس مرة أخرى مؤنباً نفسه على سوء ظنه بشريف، فهو لم يفعل سوى ما تعلموه و تدربوا عليه في جمعيتهم. فإخلاف الوعد من شيمهم. أول مرة أعرف شعور الناس الذين نتركهم ينتظرون. لقد وقعت في شر أعمالي. ربما علينا مراجعة هذه الصفة فينا فهي تنقلب علينا في بعض الأحيان. وهكذا بدأ يوازن الأمور بعقل مختلف ويرى في خلوته هذه ووحدته ما لم يكن يراه في زحمة حياته. ولكنه انتفض فجأة و غلبه شيطانه فقال لنفسه: ما هذه الوساوس، ستفسدني و تجعلني من هؤلاء الأخيار المساكين الذين لا حول لهم و لا قوة في المجتمع. وانتبه فجأة على صوت يناديه فاضل، فاضل. أه، شريف، أين أنت يا رجل. كدت أمل الجلوس وحدي. آسف لقد شغلني أمر مهم، ولكن لم أتأخر سوى عشرين دقيقة. إنها ضمن المدة الدنيا المسموح بها لنا. لو أتيت قبلاً لكنت فقدت إحدى صفاتي. دعك من هذا الآن و حدثني ببقية القصة يا شريف. لقد تركت الكثير من الأعمال حتى آتيك و استمع لقصتك. اسمع باقي القصة يا شريف. أتذكر صاحب المعمل الذي سرقت لأجله الوثائق من المعمل الثاني. نعم أذكر، ماذا حدث بعد ذلك؟ اتصل بي بعد أسبوع من تسليمه الوثائق التي سرقتها من المعمل الآخر، و طلب مني أن أقابله وحدد لي الزمان و المكان. حضرت إلى المكان المطلوب و قرعت الباب ففتحه رجل و كأنه واقف خلفه. قادني الرجل إلى غرفة و طلب مني الانتظار فيها. وبعد بضعة دقائق فتح الباب و دخل رجلان أحدهما الذي كلفني بسرقة الوثائق من الشركة الثانية و الآخر، تصور من يكون الآخر. لا أعلم لقد شوقتني. قل لي بربك يا شريف من يكون. إنه صاحب المعمل الثاني الذي سرقت الوثائق منه. ذهلت لرؤيتي الرجل و بدا ذلك على وجهي. فعرفا ذلك الارتباك علي وقالا معاً: لا بأس عليك، لا تخف فنحن شريكان. وقد فعلنا ذلك لاختبار قدراتك و قد أثبت فعلاً أنك ماكر مخادع شرير، و لكن ينقصك بعض التدبير و سنقوم بتطوير مهاراتك هنا لمدة شهرين قبل أن نكلفك بالمهمة الرئيسية. ومضت الأيام و أنا أتدرب على يد أشخاص مختلفين. أحدهم يعلمني بعض اللغة الإنكليزية و آخر يدربني على الكلام الرفيع المستوى على طريقة التجار الكبار أو الدبلوماسيين و آخر يرشدني إلى السلوك المناسب في كل حالة. وعند نهاية الشهرين أصبحت شخصاً آخر، أو لنقل أني أستطيع تمثيل شخص آخر. ثم عقدا معي اجتماعاً و عرضا علي المهمة الموعودة. طلبا من ي أن أذهب إلى إحدى دول الخليج و أتقرب من أحد كبار رجال الأعمال حتى أتمكن. وبعدها كان علي أن أسرق ماله عن طريق صفقة وهمية ثم أهرب عائداً إلى بلدي. وقد فعلت ذلك بنجاح و أخذت أجرتي التي بلغت خمسة ملايين دولار.

الحثالة: المشهد 5

كتبها أحمد عاصم المنصور

فاضل أيها الحبيب. كيف حالك؟ لم أسمع صوتك منذ زمن بعيد. كان ذلك صوت شريف على الطرف الآخر من الهاتف. وشريف هذا هو صديق فاضل وعضو في جمعية اللافضيلة ولكنه كان خارج البلاد لسنوات يعمل و يجمع المال. تفاجأ فاضل لسماع صوته بعد طول غياب. أهلا وسهلاً، كيف حالك يا شريف؟ لم أصدق أذناي. أريدك في أمر هام. يجيبه شريف. إذاً تعال إلى دكاني لنتحدث في الأمر. وصل شريف بعد ساعة فقام فاضل واستقبله معانقاً مهنئاً بعودته إلى الوطن. بدأ فاضل بالحديث قائلاً: هل هي زيارة قصيرة إلى الوطن. لا، لقد أنهيت أعمالي في الخارج وأنا الآن هنا وأخطط لتأسيس شركة تجارية بالمال الذي جمعته. و لكن لم يمضي على سفرك سوى خمس سنين، فهل جمعت من المال ما يكفي لتأسيس شركة؟ يتسأل فاضل. لو كان الأمر طبيعياً لما استطعت جمع المال الذي عدت به. ولكني أنجزت مهمة صعبة بعد أن خططت لها لسنتين،  و بالنتيجة استطعت أن أعود ومعي مليونا دولار. ذهل فاضل لسماع الرقم وتشوق لمعرفة القصة و المغامرة التي قام بها صاحبه حتى حصل على هذه المكافأة. أخبرني القصة بالله عليك. حسناً سأروي لك كل ما حصل معي من يوم غادرت البلد وحتى عودتي منذ شهرين.

منذ خمس سنين كنت لازلت أحاول بناء ذاتي و عملت أعمالاً متعددة. تقلبت بين التجارة و الصناعة و الحرف وكلها لم تجد نفعاً. لم أحصل على المال الذي أريد ولا على المكانة التي أتطلع إليها. بقيت على هذه الحال لفترة وأنا أعيش على القليل الذي أحصل عليه كل أسبوع من رب عملي. كنت أتسأل في نفسي إلى متى سيستمر هذا؟ ماذا أفعل حتى أصبح من ذوي الأموال و التجارة؟ لا أخفيك أني حاولت بعض الطرق غير المشروعة والاحتيال، ولكن للأسف لم تكن لدي الخبرة الكافية لأنجو بأفعال كهذه. فكان الفشل ينتظرني في كل مرة. ولكن الحمد لله لم يقبض عليَّ ولم أزج في السجن. استمرت أيام التعاسة و الشقاء والطعام القليل و التقتير والقلة في كل شيء إلا من الفقر و الجوع والمهانة. أبيت جوعاناً و أصحو مرعوباً. إذا جعت أخشى ألا أجد طعاماً و إذا نمت ألا أجد لحافاً وإذا عطشت ألا أجد سقاءاً. بؤس يحيط بي من كل جانب. أنت تعلم يا فاضل أن أعضاء جمعيتنا لا يعينون الضعفاء. لقد تركوني، على مبدأ الجمعية، حتى أصنع نفسي بنفسي. لم يمد أحد يد العون لي. كان علي أن أنجو وأن أكبر في عالم لا يرحم. عالم ليس فيه مكان للضعيف، القوي يأكل فيه الضعيف. كنت ضعيفاً و على وشك أن أصبح وجبة ساخنة على غداء أحدهم ولكن روح الحياة و الأمل في مستقبل أفضل جعلاني أنجو وأفكر كيف أقلب الطاولة. كيف أكون أنا من يأكل لا من يؤكل. وفي أحد الأيام وبينما أنا أعمل في أحد المصانع دخل رجل إلى المصنع و كان يخاطب رئيس العمال ويحدثه عن حاجته إلى شخص ماهر فيه صفات الدهاء. سمعت كلامهم ولم أشعرهم بأني مهتم بالأمر. وبعد أن ابتعد رئيس العمال، مكث الرجل يلتفت يميناً و شمالاً. لقد كان الأخ الأصغر لصاحب المعمل. فاقتربت منه وقلت بصوت هامس: أنا ذلك الرجل الذي تبحث عنه. نظر إليَّ محدقاً وهو لا يعلم ما يجيب. لم يتوقع أن هذا العامل الصموت البسيط الذي لا يتكلم إلا نادراً ينطق بهذه الجرأة ليعلن أنه الداهية الذي يمكن أن يفعل ما يريد. وهل سمعت حديثنا كله؟ نعم، بل و أسمع كل حديث يدور حولي وأحفظ كل همسة تطير في الهواء. تعال إلى مكتبي إذن لنكمل الحديث هناك.

بادرني بالحديث قائلاً: وكيف لي أن أعرف مدى إخلاصك ومهارتك للقيام بما أريد؟ ثق بي فأنا من تبحث عنه و سأفعل كل ما تريد. سأمتحنك إذن ونتيجتك هي التي تقرر إن كنت سأستخدمك أم لا. أنا مستعد لكل أنواع الامتحانات، فقط أعطني فرصة لأثبت لك أني بالمواصفات المطلوبة. تعال إلى مكتبي غداً قبل بدء العمل وسترى على طاولتي مظروفاً فيه التعليمات. إياك أن تنظر إلى أي ورقة أخرى على الطاولة أو تعبث بشيء.

وفي الصباح ذهبت مبكراً نصف ساعة ودخلت إلى غرفته فوجدت مظروفاً لم يكتب عليه شيء. خشيت أن لا يكون المظروف المطلوب وراودتني نفسي أن أبحث عن غيره بين أوراق المكتب و لكن قبل أن آتي بأي حركة تذكرت ما قاله لي فأرعويت. وكيف لي أن أخالف قوله و المكتب مليء بكاميرات المراقبة. أخذت المظروف على عجل و غادرت الغرفة إلى غرفة تبديل الملابس التي كانت فارغة حيث أن الوقت مبكر ولم يأت أحد من العمال بعد.

فتحت المظروف وإذا بورقة صغيرة مكتوب فيها: مهمتك أن تذهب و تعمل في المعمل المنافس لمدة أسبوع تسرق خلاله تركيب بعض الخلطات وتأتي بها إلي.

إن كان هذا هو الامتحان فما تكون المهمة الرئيسية؟ إنه امتحان صعب. لم يسبق لي أن قمت بالتجسس والتخفي أو تغيير الشخصية. جل أعمال الاحتيال التي قمت بها كانت بسيطة، الاحتيال على عجوز أو عاجز أو تسهيل الرشوة لموظف. ما هذه الورطة التي أقحمت نفسي فيها. ولكن شعوراً كان يراودني بأني على وشك الوصول إلى مبتغاي، الوصول إلى المال و عالم الأعمال. وقررت أن أقوم بالمهمة مهما كان الثمن.

كان علي أن أخطط كل شيء بنفسي وألا أعتمد على أحد و أن أغادر هذا المعمل ولا أعود إليه إلا ومعي شهادة النجاح كمحتال وداهية.

انتظرت حتى أتى الموظفون و ذهبت إلى شؤون العاملين و كتبت على عجل ورقة استقالتي من المعمل وقدمتها للموظف المسئول الذي أخذها مندهشاً من فعلي سائلاً: وهل وجدت عملاً آخر؟ أجبته بلهجة الساخر: ليس من شأنك، لا أريد العمل هنا، سأعود بعد أسبوع لأخذ مستحقاتي، أرجو أن تسرع لي بها. وغادرت المكان مسرعاً إلى منزلي كي أخطط للعملية.

وفي اليوم التالي ذهبت إلى المعمل المنافس وتقدمت بطلب وظيفة. لقد صارحتهم بأني كنت أعمل في المعمل السابق و أني تقدمت باستقالتي أريتهم صورة عنها. سألني أحد الموظفين وما هي دواعي استقالتك؟ قلت لهم أن تلك الشركة لا تنصف العمال وتقتطع من أجورهم وتوردهم الهلاك بسبب ظروف العمل غير الصحية إلى غير ذلك. وماذا كنت تعمل لديهم؟ كنت عاملاً بسيطاً ولكني أتابع كل حركاتهم و سكناتهم و أعرف الكثير عن الإنتاج وعن الخلطات. قال لي أحدهم: لابأس، سنتصل بك بعد يومين.

لن أطيل عليك، تفاجأت بقبولهم لي وعملت لديهم على الفور و استطعت أن أكسب ثقة صاحب المعمل حيث أوهمته أني سأعطيه أسرار المعمل الأول وهكذا اقتربت كثيراً من تنفيذ المهمة. وخلال هذه الفترة لم أتصل بصاحب المعمل الأول وكأني لا أعرفه و أنا عازم على تنفيذ المهمة ثم المثول بين يديه و في جعبتي ما يريده من أسرار المعمل المنافس.

وفي اليوم الثالث لعملي الجديد فوجئت باستدعاء صاحب المعمل لي. طرقت باب مكتبه و أذن لي بالدخول. وجدت شاباً يجلس خلف الطاولة بصمت ووقار، عليه مهابة خفية وتعلو وجهه ابتسامة ذكية. أطال النظر إلي دون أن يتكلم ثم أعرض عني و أخذ ورقة من على مكتبه ورفعها أمام وجهه حتى اختفى خلفها وبدأ بالقراءة. ولدت في يوم كذا عام كذا و عملت في معمل فلان ثم عند فلان، وإذا بها سيرتي الذاتية التي كتبتها في مكتب شؤون العاملين عندما تقدمت إلى العمل في معمله. ثم توقف عن القراءة في معلوماتي الشخصية ونظر إلي نظرة تختلف عن التي كانت تعلو وجهه عندما دخلت عليه، نظرة توحي بالخبث و المكر. لنتحدث بصراحة ودونما لف و دوران. كيف تثبت لي أنك لست جاسوساً للمعمل الآخر؟ فوجئت بسؤاله ولكني لم أظهر أية علائم على وجهي، بل بقيت ساكناً هادئاً وأجبته: تستطيع أن تختبرني سأثبت لك ولائي. فأجاب على الفور: هل اطلعت على الخلطات عندما كنت تعمل هناك. سر قلبي لهذا السؤال وكنت أتوقعه. نعم يا سيدي، أستطيع أن أخدمك في هذه. لقد سرقت بعض ملفات المعمل المنافس قبل مغادرتي انتقاماً منهم على ما فعلوه معي. و أين هي تلك الملفات؟ في منزلي، استطيع إحضارها غداً. حسناً، لا تأتي غداً إلى المعمل و انتظر سائقي حيث سيأتي إليك في التاسعة صباحاً ليقلك إلى مكتبي الذي في المدينة، ولا تنسى أن تحضر معك الملفات. حاضر، سأفعل ما تأمرني به.

وفي الصباح جاء السائق و أقلني إلى مكتب صاحب المعمل. وهناك طلب مني الدخول إلى غرفة تحوي طاولة مكتب و كرسي. بقيت واقفاً حتى أتى صاحب المعمل، لماذا تقف؟ اجلس خلف الطاولة و افتح الملف الذي تراه أمامك. فتحت الملف و إذا به يحوي خلطات لمنتجات المعمل. ابتسمت في داخلي، هذا ما أبحث عنه وجئت لأجله. أبهذه البساطة أحصل على ما أريد؟ نبهني من شرودي قائلاً: هذا الملف الذي أمامك يحوي خلطات معملنا، أريدك أن تقارنها مع الخلطات التي أحضرتها معك، و أن تضع خطاً أحمر عند كل فرق في نسب المواد. أين الملفات التي أحضرتها؟ إنها معي يا سيدي. و أخرجتها من الكيس الذي أحمله ووضعتها على الطاولة. أدار ظهره خارجاً، وعند الباب قال لي من اليوم عملك في هذه الغرفة بشرط لا تدخل معك أي شيء و لا تخرج أي شيء و الكاميرات كفيلة برقابتك، مفهوم. نعم يا سيدي. سأفعل ما تأمرني به. ثم خرج من الغرفة وكدت لفرط فرحتي أن أنسى كاميرات المراقبة. فظلت ساكناً في موضعي دون حركة لدقائق أنظر إلى الملفين دون أن أمسهما. قلت لنفسي أنا لا أفهم في الكيمياء ولا أعلم رموزها بل كنت أغبى طالب في الصف أثناء الدراسة. كانت تبدو لي مثل الطلاسم و الإشارات الفضائية. كيف لي أن أميز بين الخلطات وأعرف الفرق بينها. أنا لص و أتيت لأسرق و إذا بي في امتحان كيمياء، ماذا أفعل؟ وبقيت على هذه الحالة لأكثر من ساعة ظلت فيها عاكفاً على الملفين بنظري دون أن أحرك كلتا يداي. ثم مرت ساعة ثانية و ثالثة و أنا في مكاني لم أحرك حتى رأسي بل ظل منحنياً انحناءة بسيطة محدقاً بالملفين. وهكذا حتى قطع علي سكوني أحد الموظفين فهمت عندها أنه كان يراقبني على الكاميرا. هل أنت بخير؟ إنك لم تتحرك منذ أربع ساعات تقريباً. نعم أنا بخير، إنها الكيمياء تحتاج إلى تأمل و نظر. هل أحضر لك شراباً ساخناً؟ نعم لو سمحت، أنا فعلاً أحتاج إلى شراب، أشكرك. ثم خرج من الغرفة. وخلال خمس ثوان أخذت الملفات التي على الطاولة ووضعتها في صدري واتجهت نحو الباب مستغلاً زمن وصوله إلى غرفة المراقبة مرة أخرى. فتحت الباب ونظرت فلم أجد أحداً فاتجهت صوب باب المكتب الرئيسي هارباً و لم ألتفت خلفي. نزلت الدرج مسرعاً وأنا أنصت السمع عل أحد يتبعني. خرجت من باب البناء إلى الشارع وركضت إلى آخر الشارع، و عند الزاوية وجدت سيارة أجرة واقفة، اندفعت إلى داخلها قائلاً للسائق: بسرعة لو سمحت فلدي اجتماع ضروري. قصدت منزل صاحب المعمل السابق وقرعت الجرس. فخرجت ابنته. أعطيتها الملفات و قد كتبت عليها رقم هاتفي ليتصل بي ثم غادرت مسرعاً إلى منزلي. وفي المساء اتصل بي صاحب المعمل السابق يهنئني على نجاح العملية بهذه السرعة المذهلة. لقد أثبت فعلاً أنك جريء و ماكر. سأتصل بك عن قريب من أجل المهمة الرئيسية.

وهكذا يا صاحبي، محدثاً فاضل، تنطوي أولى صفحات قصتي مع المجد. عجيب أمرك كيف تصرفت بهذه السرعة و كيف كسبت ثقة الطرفين. إنك فعلاً تستحق ما وصلت إليه دون أن أعرف بقية القصة. بالله عليك كيف تراني؟ ألست نذلاً بما فيه الكفاية لأستحق عضوية الجمعية. أجاب فاضل: نعم تستحق منصب رئيس الجمعية، وأنا أنتظر بقية القصة و كيف حصلت على الملايين هذه. سأخبرك بها قريباً عندما نلتقي مرة أخرى. والآن أعذرني فلدي عمل أقوم به. آه، لقد فاتني أن أطلب منك ما جئت لأجله. يجب أن نلتقي قريباً جداً. ما رأيك أن نلتقي هذا المساء و سأخبرك بالقصة و بماذا كنت أريدك.

الحثالة: المشهد 4

كتبها أحمد عاصم المنصور

عاد ليلاً من دكانه وبعد العشاء جلس يتحدث مع زوجته ويتسامران. الأسبوع القادم عرس ابن  عمك. هل ستذهب إلى الحفلة؟ لا أعرف حتى الآن. لم أقرر بعد. وأنت هل ستذهبين إلى
حفلة النساء؟ طبعاً. أرغب في الذهاب. منذ أكثر من شهرين لم أحضر حفلة عرس. إنها  فرصة للترويح عن النفس. أتعرفين لم أنا متردد في حضور الحفلة؟ لا، لا أعرف. مالأمر
حدثني. أنت تعرفين أن ابن عمي من ذوي الدخل المحدود والحفلة لن تكون بالمستوى  المطلوب. من المؤكد أنه سيأتي بمطرب رخيص. ولكنه ابن عمك وحضور الحفلة واجب. على
الأقل أمام باقي أفراد العائلة. نعم أعلم هذا. وهذا ما يؤورقني. فحضور الحفلة  سيكلفني الكثير. سيحاول أبناء العموم جميعاً أن يتباهوا بدفع مبالغ من المال  للعريس على عادة عائلتنا. وسيتسابقون من يدفع أكثر ويرتفع المبلغ حتى يصل في بعض  الحالات إلى مئات الألوف من الليرات. وأنا لا أحب أن يدفع أحد أكثر مني وهكذا  سأضطر إلى رفع المبلغ حتى أكون أكثر الدافعين. هذا من أجل مظهري أمام الناس و  المجتمع. أما ابن عمي فلا يستحق فعلاً هذا المبلغ. ثم إن ابن عمي فقير لا يستطيع  أن يرد لنا هذا في أفراحنا فلماذا أدفع له؟ ثم أنه ليس لي مصلحة عند ابن عمي ولا  أتعامل معه أبداً. والدنيا أخذ و رد وابن عمي سيأخذ ولن يرد. و أبن عمي موظف بسيط  في دائرة مهملة ربما لن أدخلها في حياتي لأطلب منه شيئاً. آه. رأسي يؤلمني. ماذا  أفعل؟إن لم أحضر سيجد أفراد العائلة فرصة ليتكلموا عني وينتقدوني. وإن حضرت سأضطر  لدفع مبلغ كبير من المال. لقد سئمت من هذه العائلة. نصفها فقراء وعلينا أن نرعاهم.  لقد كنت فقيراً في أول حياتي المهنية. ثم اجتهدت وعملت بجد وهأنذا من كبار التجار.  بينما هم كسالى يريدون أن يبقوا عالة على غيرهم. إلتفت إلى زوجته وقال: غيري  الموضوع، لقد مللت من هذا الحديث. تنهدت زوجته وقالت: لقد أطلت الحديث عن حفل زواج  ابن عمك و أنا صامتة لا أتكلم. لم أفهم في النهاية. هل ستذتهب أم لا؟ وماذا عني  أنا؟ أظن أن عندي نفس المشكلة. لن أذهب و يدي فارغة. يجب أن أهدي العروس قطعة ذهب.  ويجب أن لا تقل عن هدايا زوجات إخوتك وأبناء عمومك. أجابها فاضل: هذا ما كان  ينقصني. هل تذكرين الشهر الماضي عندما حضرت عرس ابن جارنا التاجر. كان الأمر  سهلاً. صحيح أني دفعت مبلغاً كبيراً من المال ولكن مع هؤلاء لا يضيع المعروف.
فيوماً ما سيردوها لنا. لقد كنت مسروراً في تلك الحفلة. كلها من كبار التجار و  المسؤولين. أما حفلة ابن عمي فمن سيحضرها؟ بعض شباب الحارة القديمة والحلاق أبو  عبدو والقصاب أبو صالح. غيري الموضوع، أرجوك. أصبت بالقرف. و بعد الغداء أخلد فاضل  قليلاً إلى النوم و هو يحلم بمستقبل أبناءه وبصلة رحمه وبجاره. يتصارع في أحلامه
الشر و الخير، و ربما يقارب الخير الانتصار فيصحو قبل حدوث هذا. فلا عقله الباطن  ولا أحلامه ناهيك عن يقظته يتقبلون انتصار الخير على الشر. ليس مقتنعاً بأن الخير
يمكن أن يغلب أو أن ينجح أو يجعل ملتزمه ناجحاً. يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يبعد  هذه الفكرة عن مخيلته. فالخير عنده ضعف ويؤدي إلى فقدان المكانة بين الناس والتي
يحتاج الحفاظ عليها إلى التطاول و التكبر و السفاهة والحيلة و المكر و الخداع و  الكذب. و يطول به التفكير وهو جالس في فراشه إلى أن يتنبه إلى صوت زوجته وهي تسأله
إن كان يريد شرب الشاي في غرفة النوم أم على الشرفة.

الحثالة: المشهد 3

كتبها أحمد عاصم المنصور

خرج من المصرف و هو مسرور واضحاً ذلك على محياه. سمع صوت المؤذن يرفع أذان العصر فعلم أن الظهر قد فاته خلال وجوده في المصرف. نظر إلى السماء و قال: يا ربي اغفر لي، كنت مشغولاً في أمر هام. رن هاتفه الجوال وإذا بزوجته على الطرف الآخر تصيح و تستغيث به لأمر ألم بهم في المنزل مع الجيران و تريد منه العودة فوراً إلى المنزل حتى يتصرف معهم. أسرع إلى الدكان و أعطى تعلمياته للصبي بأنه ربما لن يعود حتى المساء ثم ركب سيارته الواقفة أمام دكانه و توجه إلى المنزل. ولدى وصوله إلى المنزل رأى جاره الذي يسكن أسفل منه على الباب ينتظره. السلام عليكم، بادره الجار. أهلاً، ما المشكلة؟ المشكلة أن عامل تنظيف المدخنة أخطأ و أدخل أدوات التنظيف في مدخنتنا و لم نعي الأمر حتى انفجرت المدفأة وملأت البيت هباباً أسوداً. أنا لا أرى في الأمر مشكلة، أجاب فاضل. كل ما في الأمر أن العامل أخطأ. ولكن تنظيف المنزل من الهباب الأسود يحتاج إلى وقت طويل و ربما إعادة دهان الجدران وهذا يتطلب كثيراً من الوقت و المال. وهل تقصد أن علي أن أدفع لك؟ كل الأمر خطأ و المسامح كريم. و لكن! لكن ماذا؟ هذا ما عندي وقد قلته و انتهينا. لا حول و لا قوة إلا بالله، يقولها الجار و هو يضرب كفاً بكف متعجباً من صنيع جاره فاضل. عاد الجار إلى منزله وحدث زوجته بما دار بينه و بين فاضل. وتعجبت من تعجب زوجها. فأين العجب من صنيع فاضل وهو جارهم منذ سنين و قد اعتادوا أفعاله و سلوكه. و أما فاضل فدخل إلى بيته ضاحكاً من نصره المؤزر على جاره بالضربة القاضية، وقال لزوجته: الحمد لله، لقد كفانا الله شر جارنا. تصوري كنت سألين معه و أدفع له لولا أن الله أعانني عليه بالحجة الدامغة . بالمناسبة، ألم تستطيعي أن تفعلي ذلك بنفسك؟ يقول لزوجته متعجباً! ألم أعلمك كيف تصنعين في مثل هذه المواقف؟ ألم أعلمك كيف تكوني سفيهة فترفعي صوتك فيخاف الجيران منك؟ الحقيقة أنك لا تستحقين عضوية جمعية اللافضيلة. فإيذاء الجار من أولويات هذا الجمعية. على كل حال، قولي لي الآن حقيقة الأمر. لقد حللت المشكلة دون معرفة الأمر بالتفصيل و لكن لا مانع من سماع التفاصيل. الأمر كما قال لك الجار. لقد أخطأ العامل و أدخل أدوات التنظيف في مدخنة جيراننا. و نحن ماذا حدث عندنا؟ الحمد لله لم يحدث شيء. لقد أعاد العامل تنظيف مدخنتنا دون أي مشكلة و المدفأة تعمل بشكل جيد. هل الغداء جاهز؟ يصيح على زوجته وهو متجه إلى غرفة النوم. سأبدل ملابسي أولاً ثم الغداء. حضرت زوجته إلى غرفة النوم وقالت: الغداء يحتاج إلى نصف ساعة حتى يجهز. لقد تأخرت بسبب المشكلة التي سببها الجيران لنا. إذاً سأشاهد التلفاز ريثما يجهز الغداء. جلس يقلب بين المحطات الكثيرة ويتساءل في نفسه أي المحطات التي علينا السماح لأطفالنا بمشاهدتها؟ المجتمع خارج المنزل قاس ومفترس و علينا تربية الأولاد على ألا يُغلبوا. صاح على زوجته. ماهي المحطات التي يتابعها الأطفال عادة؟ حضرت زوجته من المطبخ متمتمة: ليس هذا وقته. نعم، ماذا تريد؟ لقد سألتك أي المحطات يشاهدها الأطفال؟ في معظم الأحيان يشاهدون برامج الأطفال الكرتونية في المحطات المختلفة. أرجو ألا تزعجني مرة أخرى أريد الإنتهاء من الطبخ. أنت من هو مستعجل دائماً على الطعام و تلومني على التأخير ثم تزعجني بأشياء تافهة. قلب فاضل جميع المحطات ولم يعرف أيها يختار لينصح أطفاله بمشاهدتها حتى يكونوا ذئاباً في المجتمع لا يفترسهم أحد بل يفترسون الناس قبل. الأمر محير و تربية الأولاد صعبة حتى يصبحوا أعضاء فاعلين في جمعية اللافضيلة. سرح بأفكاره و قال في نفسه هذا موضوع هام سأطرحه على الأصدقاء أعضاء الجمعية. علينا أن نفكر جميعاً كيف نجعل من أبنائنا خبثاء مكرة ماهرون في الخداع والتصرف عند الضرورة يَغلبون ولايُغلبون. آه، بدأ رأسي يؤلمني من التفكير في الأولاد ومستقبلهم وصناعة شخصيتهم. كم تعذبت حتى وصلت لما أنا عليه الآن. ماذا علي أن أفعل للأولاد؟ على كل حال سأدع الأمر الآن والزمن كفيل بإيجاد الحل. وفجأة قرع جرس الباب، فإذا بالأولاد قد عادوا من المدرسة. بابا، أنت هنا؟ ليس من عادتك! أهلاً بالأحباب. لقد عدت باكراً بسبب مشكلة مع الجيران. وهل حلت المشكلة؟ تسأل الأولاد. نعم كل شيء على أكمل وجه. والآن قولوا لي كيف المدرسة؟ هل من أخبار جيدة؟ نعم لقد أخذت علامة جيدة في امتحان اللغة العربية. وأنا أيضاً حصلت على علامة مرتفعة في امتحان الرياضيات. ليس عن هذا أسأل. حدثوني عن وضعكم ضمن زملائكم. هل أنتم أقوياء؟ هل تحصلون حقوقكم من زملائكم أم تُغلبون عليها؟ هذا ما يهمني. أما الدراسة فالكل قادر عليها وهي تحصيل حاصل. على كل حال، إذهبوا الآن و بدلوا ملابسكم واستعدوا للطعام

الحثالة: مشهد 2

كتبها أحمد عاصم المنصور

وقف على درج المصرف يمسح حذائه من الغبار الذي علق به نتيجة أعمال الحفر في الشارع. ثم دخل المصرف وتوجه إلى إحدى الغرف فيه حيث تجلس إحدى الموظفات. صباح الخير يا كريمة، من زمان القمر ما بان، موجهاً كلامه إلى إحدى الموظفات. آه أنت تعلم العمل و مشاقه. اعذرني فأنا ايضاً مشتاقة و لكن ليس باليد حيلة. ألن تطلبي لنا فنجان قهوة؟ صحيح لقد نسيت عادتك، تأتي لتشرب القهوة مع صاحبة الوجه الصبوح. يا أبا محمود، نادت على العامل، اصنع لنا فنجاني قهوة سادة. و على فنجان القهوة جلسوا يتسامرون. وفجأة دخل الغرفة مواطن له حاجة عند هذه الموظفة. قال المواطن: لو سمحتي يا آنسة، هل معاملتي عندك. أجابته بغضب باد في صوتها و على وجهها، وما أدراني. ألا ترى أني مشغولة الآن. صحيح أنك عديم الفهم. وانهالت عليه بسيل من الشتائم جعلته يقف كمن خسر بالضربة القاضية. و كريمة هذه أيضاً عضوة في جمعية اللافضيلة. احتار المواطن فيما يقوله لها ثم بادر قائلاً: و لكني أرى أنك لا تعملين، هل الإضبارة عندك؟ عجيب أنت و غريب تصرفك. أنا مشغولة مع الأستاذ. تعال بعد ساعة. وقفت وتوجهت إلى المواطن ووضعت يدها على كتفه و نهرته موجهة إياه للخروج. فخرج المواطن المسكين وهو يتمتم بعبارات الشكوى لله. تعجب فاضل قائلاً: الله يكون بعونك. الناس أشكال و ألوان وكل يوم على هذه الحالة. على كل حال، أنا لم آت هذه المرة لشرب القهوة فقط. الحقيقة هناك موضوع أود أن أطلبه منك. ما هو، أجابت كريمة. الموضوع يحتاج إلى بعض السرية، أغلقي الباب من فضلك. قامت كريمة إلى الباب وأغلقته. بادرها فاضل بقوله: الموضوع هو موضوع قرض! قرض، صرخت كريمة و قد ملأها الذهول. وفيما القرض و أنت تاجر قماش، لديك محل و أمورك ميسورة. القرض هو لإقامة مصنع نسيج، أجاب فاضل. لابأس، الكل يأخذ قروض و المصارف أحدثت لذلك، تستطيع أن تتقدم إلى المصرف بشكل نظامي لتحصل على القرض، و الإجراءات معروفة وواضحة. همس فاضل و هو ينظر إلى أرض الغرفة: المصنع لن يقام. سنأخذ المال ونستعمله في مكان آخر. أما المصنع فعندي ورشة سنضع فيها بعض الآلات القديمة المحدثة لتراها اللجنة وتكتب تقريرها ثم ينتهي الأمر بسهولة. أجابت كريمة على الفور: فهمت. بإختصار و على المكشوف، كم ستكون عمولتي. ساعطيك ما تطلبين، و لكن أرجو مراعاة أني سأعطي لجنة الكشف وربما بعض المدراء وغيرهم ممن تمر عليهم المعاملة. لابأس أنا موافقة، تعال الأسبوع القادم وسأكون قد رتبت الأمور مع بعض الأشخاص حتى نبدأ بالأوراق الرسمية. وقفت كريمة و اتجهت إلى الباب وهي تقول مبتسمة: وكم هو القرض الذي تفكر فيه. أجاب فاضل: مليار و نصف أو مليارين ليرة. ودعته كريمة و هي تقول: نسبتي ستكون خمسة بالمئة وأنا مسؤولة عن صغار الموظفين و المهندسين، أما المدراء و غيرهم فعليك إرضاؤهم بالمبلغ الذي يريدون و سأتوسط بينكم

الحثالة: المشهد1

كتبها أحمد عاصم المنصور

ركل علبة فارغة برجله و هو يسير على الرصيف المؤدي إلى محله التجاري. تذكر أنها ذات العلبة التي ألقاها ليلة البارحة بعد أن فرغ من شربها و تعجب لماذا لم يأخذها عامل النظافة أو بعض اؤلئك الذين يجمعون العلب المعدنية الفارغة ليبيعوها إلى معامل تدوير المواد حيث يعاد صهرها و تصنيعها.

دخل إلى محله وكانت الساعة عندئذ قد بلغت الواحدة ظهراً. تعال، صاح منادياً الصبي الذي يعمل لديه. هات القماشة وامسح الزجاج. ألم أقل لك ألف مرة أن تنجز هذه الأعمال قبل قدومي.

جلس إلى مكتبه آخذاً سماعة الهاتف بيده. ضغط الأزرار ببطء كمن يخشى استنفاد قوته. انتظر طويلاً قبل أن يجيب أحد ثم صاح محدثاً الطرف الآخر: أما زلت نائماً؟ كيف كانت سهرة البارحة؟ سمعت أن المطرب أطربكم وضارب الطبل أرقصكم حتى الصباح. كم تمنيت أن أكون معكم! أنت تعلم أن عرس ابن عمي كان البارحة وكنت مشغولاً. حفلتنا كانت ممتازة أمضيناها رقصاً و ضحكاً حتى ما قبل الفجر بقليل. لقد أحضرت الفرقة معها أحدث الألات الموسيقية و مكبرات الصوت. كان صوت المطرب مسموعاً إلى الحارات المجاورة. الحمد لله كانت سهرة ترفع الرأس. أجابه صاحبه: ونحن كانت سهرتنا ممتازة. تعرف أني أحب الرقصة العربية. لم أتوقف عن الرقص طيلة السهرة. قاطعه سائلاً: متى سأراك الليلة؟ هل هناك سهرة عرس في مكان ما لنحضرها معاً؟ أراك عند سعيد، أجابه صاحبه. اليوم السهرة عنده في بيته و قد وعدنا بعشاء فاخر من الكبب و المحاشي. حسناً، إذاً إلى اللقاء.

هذه هي عادته وحياته. فجل اهتمامه منصب على السهرات مع الاصحاب. يمضون الوقت في الحديث عن مبارايات كرة القدم، عن اللاعبين و تصرفاتهم في الملعب، عن المدربين وخططهم. أرأيت كيف لم يرض ذلك اللاعب بالتبديل ولم يخرج من الملعب عندما طلب منه المدرب؟ أنا معجب ببطولته! أرأيت كم من الفرص ضاعت على الفريق؟ أجمل ما في المباراة هي تلك الهجمة التي انتهت بتسديدة ارتطمت بالعارضة. صحيح أن الفريق الخصم لعب أفضل ولكن فريقنا كان يستحق الفوز. نحن دائماً نستحق الفوز، لعبنا أم لم نلعب، سمعنا كلام المدرب أم لم نسمع، احترمنا الأخلاق الرياضية أم لا. كل هذا لا يهم. المهم أن نفوز. ما أجمل الفوز مهما كانت السبل. والويل للوحات الإعلانات و السيارات التي نراها في طريقنا إن خسرنا سوف نحطمها جميعاً. و يستمر الحديث وإضاعة الوقت حتى يقاطع الكلام أحدهم للحديث عن أحدث موديلات الهواتف النقالة. ثم الحديث عن التعديلات غير المرخصة التي أجراها على سيارته وهكذا من حديث تافه إلى أتفه منه حتى مطلع الفجر.

أنا ذاهب إلى المصرف، نادى صبيه. انتبه إلى الدكان في غيابي. خرج باتجاه المصرف يدندن أغنية كان قد سمعها من المطرب ليلة البارحة. كلما دندن منها مقطعاً توقف متعجباً قائلاً في نفسه ما أعظم هذا المطرب! كم هو متمكن و متقن؟ هكذا يكون الرجال. ثم ينتقل إلى مقطع آخر فيدندنه. ويعود لدهشته من تميز المطرب وتفانيه. مرحباً يا أبا فادي، صاح على صاحب المحل الذي يقع على الرصيف المقابل. كيف الحال؟ هل استفتحت أم ليس بعد؟ يلقي السؤال تلو الآخر دون انتظار الجواب. و أبو فادي لا يجيبه بل يلوح بيده فقط مشغول مع زبون عنده. أخرج من فمه علكة كان يمضغها وألصقها على الجدار. بقي من العلكة شيء يسير ملتصق بيده فمسحه بالشجرة. ألم تنهوا أعمال الحفر؟ قالها متأففاً للعمال الذين يحفرون خندقاً على طول الطريق من أجل توسعة شبكة الهواتف.

وصاحبنا اسمه فاضل –على غير مسمى- وكنيته أبو الخير –على غير مكنى- وهو عضو في جمعية اللافضيلة. وهي جمعية تنضوي تحت لوائها حثالة المجتمع. الحثالة الذين لا يرعون ذمة ولاحرمة. إذا عاهدوا لم يوفوا و إذا حدثوا كذبوا وإذا عاملوا الناس فجروا وإذا ائتمنوا خانوا. همهم إشباع رغباتهم وملء بطونهم وجيوبهم. يدفعون الرشاوي لتسيير معاملاتهم حقاً كانت أم باطلاً. الحق عندهم باطل و الباطل عندهم حق. يستجدون أصحاب النفوذ والمال ويقفون على عتباتهم طمعاً في الوصول. متسيبون في عملهم إذا كانوا موظفين في الدولة. لا يمانعون قبض الراتب دون عمل. يأتون إلى الوظيفة للتسلي و تبادل المعلومات الإجتماعية ويمضون معظم أوقات العمل في القيل والقال والأزياء وموديلات الملابس والهواتف النقالة والسيارات واسعار الذهب والفضة. إذا دخل عليهم ذو النفوذ أو المال قدسوه وبشوا في وجهه ويسروا له أمره وذللوا كل العقبات في وجه معاملته. و إذا دخل المواطن البسيط احتقروه وعبسوا في وجهه وعسروا له الأمور وأضافوا العقبات حتى يضطر إلى دفع المعلوم. وأما من كان منهم من أصحاب الأعمال الخاصة فعليه مجاراة زملائه الموظفين الأعضاء في جمعية اللافضيلة. فالموظفون يعيثون في المجتمع فساداً من وراء مكاتبهم أما أصحاب الأعمال الخاصة فساحة نشاطهم كل المجتمع. الشارع مليء بأوساخهم وألفاظهم النابية. وإن كنت من أصحاب الحظ التعيس فسوف تمضي معظم حياتك معهم من الصباح إلى المساء. فهم إن جاوروا جاروا ولم يرعوا حقوق الجيران. يلقون أكياس قمامتهم أمام منزل الجيران لا أمام منزلهم. وإذا كنسوا الشارع أمام بيتهم نقلوا الأوساخ إلى أمام الجيران. يضعون الرمال الضرورية لأعمال البناء نصفها في الشارع و نصفها على رصيف المشاة. وويل لك لو اعترضت أو نصحت، فسوف يأتيك من أعضاء جمعية اللافضيلة أجوبة مثل: ما دخلك أنت، هذا ليس عملك، هل تعلمنا الفضيلة، نحن أعلم منك بالتصرف الصحيح، من أنت حتى تعلمنا كيف نتصرف، إذهب وعلم نفسك أولاً، وغيرها من الأجوبة التي تجعل الحليم حيران. وإذا أخطأت أنت وخرج من بيتك بعض الرمل على الرصيف تجده يسارع على الفور إلى التهجم عليك و اتهامك بعدم مراعاة حقوق الجوار و قلة الذوق. تمضي الشهور و صوت الحفارات يهدر في بيته لحفر حوض للسباحة، و جميع الجيران يحتملون بصمت تحاشياً للصدام معه على مبدأ داروا سفهائكم. والويل لمن يضطر لثقب ثقب في جدار بيته لغرض ما، فسوف ينقض عليه صاحبنا قائلاً: متى ستنتهي من هذا؟ لقد احتملنا كثيراً، لقد سئمنا العيش معكم.