حسد في الأمن و الأمان

تدور الآن في اليابان معركة سلمية بين مؤيدي تغيير المادة التاسعة من الدستور الياباني وغالباً هم من أنصار الحزب الليبرالي الحاكم وبين معارضي هذا التغيير.

و تنص المادة التاسعة على: يتطلع الشعب الياباني بصدق وإخلاص إلى السلام العالمي القائم على أسس من العدل والنظام، ويتخلى إلى الأبد عن الحرب كحق سيادي للدولة وعن القيام بأية أعمال عدوان أو تهديد بواسطة العنف كوسيلة لحل النزاعات الدولية1.

يقول بعض المحللين أن أمريكا تقف وراء هذا الأمر. و أنا أشعر بهذا ولكن ليس أمريكا فقط ولكن ربما كل دولة تحارب الإرهاب المزعوم التي خلقوه بأنفسهم ثم أصبح وبالاً عليهم و خارج عن سيطرتهم، ثم انقلب عليهم و جلب لهم الخراب إلى بلادهم. أشعر أن هذه الدول كلها تحسد اليابان مثلاً على الأمن التي تنعم به. فمعظم الدول السبع الصناعية الكبرى، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، تتعرض لهجمات ارهابية ما عدا اليابان و كندا. ولست خبيراً في الشأن الكندي ولكن على الأقل ما أراه و أسمعه من توجهات الحكومة و الشعب ومن دعم الأقليات و المساواة والعدل بين الجميع يبعد عنها شبح الإرهاب. ويبقى لدينا اليابان. فاليابان وبسبب المادة التاسعة في دستورها لا تحشر أنفها في شؤون الدول الأخرى وبالتالي تبعد نفسها عن خلق أعداء لها دون مبرر. وهذا الأمر يبدو أنها محسودة عليه من غيرها. فبعد الخسارات الكبيرة في الجنود والعتاد التي مني بها الجيش الأمريكي في العراق و في أفغنستان، بدأت تنهج سياسة أخرى و هي زج الدول الصديقة معها في الحروب بل وتقدمهم إلى الصفوف الأمامية للمواجهة. ولكن إن لم تتغير المادة التاسعة والتي هي الحصن الحصين لليابان، فكيف ستزج الجيوش اليابانية في الحروب إلى جانب أو بدلاً عن الجيوش الأمريكية.

صحيح أن الحكومة  اليابانية الحالية مشت أشواطاً نحو تغيير هذه المادة ولكن يبقى أمامها أشواطاً صعبة عليها تجاوزها، و من أهمها إقناع الشعب الياباني بذلك. لأن الشعب الياباني واع أن من يذهب لحرب الناس في ديارهم فسوف يأتون إلى دياره ليردوا له الصاع، وهذا ما يجب تجنبه. فكما قال المفكر الفرنسي ميشال أونفري: “نخوض حرباً في بلدانهم و نجعل حياتهم مستحيلة، نقوم بمجازر هناك ونقتلهم بالعشرات أو المئات ثم نريد منهم أن يكونوا طيبين. هم ليسوا طيبين وحق لهم ذلك”2.

ثم إن أول حرب سيطلب من اليابان خوضها، في أغلب الظن، هي الحرب التي ظاهرها ضد الإرهاب وباطنها ضد الإسلام. واليابان بغنى عن خلق أعداء جدد. فمنذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا لم يكن هناك خلاف أو حرب أو تصادم بين دولة اليابان والدولة الإسلامية. فالمسلمون يحبون اليابان ولا يعتبرونها عدواً لهم أبداً، على خلاف بعض الدول الأخرى التي تتبنى سياسات معينة ضد الإسلام، فتاريخ الصراع معها طويل. والأحرى باليابان ألا تدخل بين فكي هذا الصراع القديم.

ولكن بعض الدول و على رأسهم أمريكا لن يعجبها أن تبقى اليابان هكذا، فعليها أن تدفعها دفعاً إلى هذه الحرب. إن السبيل الوحيد هو افتعال الإرهاب في اليابان و إلباسه لباس الإسلام. عندها يصبح الطريق معبداً أمام تغيير المادة التاسعة بل و تغيير أكثر من ذلك.

وأرجو ألا يكون ظني في محله. فاليابان بلد مسالم، بل هو البلد الوحيد الذي اعتذر عن جرائم الحرب العالمية و ساند الدول الأسيوية و ساعد في نهضتها رغم أنها تنافسه.

وصدق رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال: “إن العين تدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر” 3. وأخشى أن الحسد السياسي يورد بعض الدول القبر.

د. أحمد عاصم المنصور

———–

1- https://ar.wikipedia.org/wiki/ المادة_التاسعة_في_دستور_اليابان

2- https://www.youtube.com/watch?v=WcUp_pGiHAo

3- رواه أبو نعيم في الحلية و ابن عدي بإسناد حسن عن جابر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s