من الذاكرة 14: لماذا اليابان؟

كان من عادتي أن أزور بيت عمي الأستاذ الدكتور رياض المنصور رحمه الله في دمشق بعد انتهاء امتحانات الجامعة. وكنت أرافقه في بعض الأحيان إلى كلية الهندسة المعمارية حيث يعمل وربما أحضر بعض مناقشات المشاريع النهائية للطلاب و التي كنت أستمتع بها أكثر من أي شيء آخر لما فيها من ملامسة واقعية لما نعيشه و لما فيها من أفكار طموحة لتحسين العمران وجعله ملاءماً للإنسان.

وفي إحدى الزيارات دار حديث سمعته من عمي حول أحد طلابه الذين سافروا إلى اليابان للدراسة و تعجبت حينها، لأنها أول مرة أسمع بشخص يسافر إلى اليابان. وتبين لاحقاً أن أهل دمشق يعلمون بالأمر و لكننا في حلب بعيدون عنها كل البعد. سألني عمي: ما رأيك بإكمال الدراسة في اليابان؟ تعجبت و قلت: اليابان؟ وهل هذا ممكن؟ أتمنى ذلك.

دارت الأيام و أصبحت معيداً في كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب وحاولت الجامعة إيفادي إلى ألمانيا الشرقية في حينها و لكن المحاولة باءت بالفشل حيث رفضني الجاني الألماني الشرقي أنا و زميلي وكلانا من المتفوقين و أخذوا غيرنا.

حاولت الجامعة وضع اسمي في قائمة المرشحين إلى منح الإتحاد السوفيتي. ومع علمي بالمستوى المتقدم للعلوم فيه والذي كان واضحاً من الصناعات العسكرية و الفضائية المتميزة، و لكني رفضت لأني أكره الشيوعية ولأعتقادي بأني لن أتمكن من العيش في ظل نظام شيوعي لا يحترم الأديان جميعها.

ثم قدر الله أن يأتي إعلان المنح اليابانية إلى جامعة حلب. لا أدري إن كانت تأتي كل عام و تهمل أم أنها أول مرة تصل إلى جامعة حلب. ووضع اسمي مع باقي المرشحين إلى هذه المنحة، و الحمد لله حصلت عليها كأول معيد في جامعة حلب بعد اجتياز كافة الاختبارات و المقابلات اللازمة. ثم حصل عليها في السنة التالية زميلي الدكتور حسن ملقي ثم في السنة التي تليها الزميل الدكتور جمال الدين الأفغاني. ولم يحصل عليها بعدها أحد من العاملين في جامعة حلب. و سبب عدم حصول أحد عليها يعود غالباً إلى أن المعيدين في جامعاتنا يريدونها لقمة جاهزة و المنحة اليابانية ليست كذلك و لكن على المعيد أن يتنافس مع الجميع فلا يوجد فيها مقاعد خاصة للمعيدين بل هي مفتوحة لكل السوريين على السواء.

ومن الأمور اللطيفة التي حدثت معي خلال تحضير الأوراق إلى المنحة، هي أن الجميع كان يقول لي لا تخف من اللغة فالشعب الياباني يتكلم الإنكليزية عادة و اللغة اليابانية فقط للمعابد. و الحقيقة التي اكتشفتها لاحقاً أن اللغة اليابانية هي لغة العلم مئة بالمئة و لغة الشارع كذلك، و الله المستعان. و كان ممن نصحوني بالإقدام على المنحة الأستاذ الدكتور مظفر شعبان حفظه الله و الأستاذ الدكتور زين العابدين عبد المجيد طهبوب من الجامعة الأردنية حيث كان حينها في زيارة إلى كليتنا في حلب.

وهكذا بدأت رحلتي مع اليابان.

Advertisements

One thought on “من الذاكرة 14: لماذا اليابان؟

  1. سمعت منك دكتور في مرة من المرات انك كنت تريد الذهاب الى المانيا لمتابعة دراستك لكن هذا اول مرة اعرف السبب الحقيقي وراء ذهابك لليابان وسبحان الله لا احد يعلم اين الخير وما هو مقدر دمت بخير وعطاء دائم دكتور احمد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s