من الذاكرة 8: بين العجم و العرب

قررت إدارة الأزهر الشريف أن ترسل مبعوثاً إلى مسجد إيكه بكرو في طوكيو ليختم القرآن في صلاة التراويح ويعطي بعض الدروس خلال الشهر الفضيل. ولكن الشهر بدأ ولم يصل الشيخ الفاضل من الأزهر، فبدأنا صلاة التراويح وراء أحد العمال حفظة القرآن من الباكستان. كان هذا الشاب بسيطاً جداً و خجولاً. استمر الشاب الباكستاني بقيادة صلاة التراويح لمدة ستة أو سبعة أيام. حتى جاء اليوم الموعود.

دخلت إلى المسجد وكان الناس قد اصطفوا لصلاة العشاء. نظرت إلى الصف الأول، وكان باب الدخول على يسار القبلة، فوجدت شيخاً يلبس عمامة أزهرية وحوله بعض السادة ممن لا أعرفهم ولكن كان واضحاً من تأنقهم أنهم أعضاء سلك دبلوماسي.

فجأة حدثني أحد أعضاء مجلس إدارة المسجد باللغة اليابانية قائلاً: نحن في مأزق. لقد وصل الشيخ من الأزهر فهل نقدمه للصلاة أم نتابع وراء الشاب الباكستاني. فهمت المقصد من السؤال وبدأت أدور بناظري هنا و هناك حتى وقعت عيناي على الشاب فناديته قائلاً: هيا لنبدأ الصلاة.

عندها أحسست أن بركاناً على وشك الانفجار. لم يعجب قراري شيخ الأزهر ولا من معه من أعضاء السفارة المصرية.

انتهت الصلاة بعد ساعة تقريباً. التفت إلي أحد أعضاء السفارة المصرية قائلاً: كيف تقدم هذا الشاب على الشيخ العلامة؟ أجبته: لا يجب أن نكسر بخاطر هذا الشاب الباكستاني. لم يعجبه جوابي ولا تصرفي وانصرف هو ومن معه غاضبين ولم نراهم في الصلاة بعدها أبداً في هذا المسجد.

انفض الناس بعد الصلاة، فدعوت شيخ الأزهر للحديث معه. كان علينا أن نقرر ماذا نفعل في باقي ليالي رمضان. واجتمع أهل الرأي واقترحت عليهم أن نكمل صلاة التراويح خلف الشاب الباكستاني جبراً لخاطره يتخللها درس يعطيه شيخ الأزهر، ثم نختم القرآن مرة أخرى في صلاة التهجد خلف شيخ الأزهر. وهكذا انقضت الفتنة على خير.

في نفس الوقت، كان هناك زائر آخر معتكف في المسجد، وكان نائباً لرئيس إحدى الجامعات الكبرى الإسلامية في العالم، وكان باكستاني الجنسية.

كنت كل يوم أنظر و أقارن بين سلوك شيخنا الأزهري و بين البروفسور نائب رئيس الجامعة. كان الأخير متواضعاً لدرجة أنك لا تميز بينه و بين العمال. يجلس دائماً صامتاً مسبحاً ذاكراً في طرف المسجد. لم يطلب الإمامة يوماً، مع أنه أهل لها بما عنده من علم شرعي. كان يأكل القليل و يشرب القليل و ينام القليل. على عكس شيخنا الأزهري الذي يسأل كل يوم: أين اللحم؟ أين العسل؟

وفي أحد أيام رمضان وغالباً كان يوم أحد و بينما كنت جالساً في إدارة المسجد سمعنا صوتاً في الحرم الرئيسي فهرعنا لنستطلع الأمر. وجدنا شاباً تونسياً قد جمع الناس حوله يحرضهم على ترك الصلاة خلف الشاب الباكستاني، قائلاً: لا يجوز أن يتقدم أعجمي على عربي. لم يفهم معظم من كان حاضراً من إدارة المسجد كلامه لأنهم كانوا من غير العرب. ترجمت لهم ما يقول فانتظروا جوابي له. ساد صمت فالمجموعة العربية بقيادة الشاب التونسي تتوقع مني أن أكون معهم بسبب قوميتي و الآخرون يقفون ينتظرون جبر الخاطر.

توكلت على الله و قلت للشاب التونسي: أنت تدعوا إلى جاهلية في بيت الله. هؤلاء من غير العرب هم من أسس المسجد هذا بل و معظم المساجد وهم يديرونها بأموالهم ويتصدقون بأوقاتهم. أما نحن فنستفيد منها ولم نقدم شيئاً. فقال: أنت معنا أم معهم؟ فقلت: أنا معهم ومع الغالبية التي تخاف الله. أما أنت فاخرج من المسجد قبل أن نحضر لك الشرطة. وكان الشاب التونسي من العمال الذين لا يحملون فيزا وتكرم عليه أهل المسجد من “غير العرب” بالمبيت عدة أيام حتى يؤمن لنفسه عملاً ومنزلاً.

وهكذا انقضت فتنة أخرى من الفتن ولله الحمد و المنة.

قُلْ بِفَضْلِ اللَّـهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥٨﴾ سورة يونس

Advertisements

One thought on “من الذاكرة 8: بين العجم و العرب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s