من الذاكرة 6: اللحم الحلال في اليابان

أمضينا السنين الأولى في اليابان و نحن نأكل اللحم و الدجاج المستوردين من البرازيل أو من الدانمرك أو أستراليا وقد كتب عليه “حلال”. وفي أحد الايام أحضر لي أحد الأصدقاء ورقة قد وصلته من المركز الإسلامي في الدانمرك وفيها أن المركز ينبه إلى موضوع الدجاج المصدر من الدانمرك تحت اسم “حلال”، وأن هذا الدجاج ليس بمعظمه حلالاً. ذلك أن رابطة العالم الإسلامي أرسلت بعثة إلى الدانمرك لتحري الأمر واتفقت مع المركز على وضع ختم معين على اللحم “الحلال” الثقة حتى يستبين الغش. فأخذت هذه الورقة وأرسلت نسخاً منها إلى كل المراكز الإسلامية و الجامعات في اليابان حتى يعلم الناس بالأمر. فأحدث الموضوع ضجة وجاءتني اتصالات من بعض التجار الذين كانوا يستوردون اللحوم “الحلال” معترضين أن ما فعلته قد أثر على تجارتهم.

وبعد فترة من الزمن، لاحظت أنا وزوجتي أن الدجاجة المجمدة المستوردة من البرازيل التي طلبناها من بائع اللحم الحلال في كوبه، لاحظنا أنها زرقاء ويبدو أن زمناً طويلاً قد مضى على تجميدها. فكرنا في أولادنا الذين ولدوا في اليابان و كيف أنهم لم يذوقوا اللحم الطازج أبداً وجل اعتمادنا على اللحم المستورد المجمد. فقررنا مقاطعة اللحم المجمد المستورد وهكذا فعل بعض اصدقائي في هيروشيما.

وبدأنا نبحث عن البديل. وهنا ذكرنا أخونا مأمون الرشيد من بنغلادش بحال المسلمين قبل إقرار الأذان. كيف كان حالهم و تفكيرهم جميعاً ينصب على إيجاد طريقة لدعوة الناس إلى الصلاة. فلما اهتم معظم المسلمين بالأمر و سعوا فيه، جاء الفرج و الحل من الله.

كان أول بديل هو شراء دجاج بياض وذبحه في المدجنة. ولكن الصراحة كان صعب الطبخ جداً وقاسياً وغير مستساغ. فقاطعنا اللحم مرة أخرى.

ثم سألت السوبر ماركت الذي اشتري منه عن مصدر الدجاج فيه. وطلبت أن يعطيني رقم الهاتف للاتصال بهم. اتصلنا بالشركة الموردة ودعتنا لزيارة المسلخ. وهناك اطلعنا على الشركة و على طريقة الذبح فيها. كان كل شيء ممتاز من حيث أن الذبح يكون عند الرقبة ثم تصفية الدم والنظافة. ولكن أوقفنا أمر وهو التكبير على الذبائح. فقلنا ذلك لمدير الشركة. فأجاب بثقة: نحن نصلي على الذبائح أيضاً. حيث نأتي بالكاهن من المعبد كل ثلاثة أو أربعة أشهر ويبارك لنا الموسم كله. ففهمنا أن هذا الدجاج أضبح مما أهل لغير الله به.

وامتنعنا مرة أخرى عن تناول الدجاج. ثم جاء الفرج عبر اتصال من صاحب المزرعة التي تورد الدجاج الحي للمسلخ، حيث كان صاحب المزرعة قد سمع بقصتنا من مدير المسلخ. قال صاحب المزرعة أنه مستعد لتزويدنا بالدجاج الحي كل اسبوعين أو ثلاث وبكمية تصل حتى ثلاثمئة دجاجة و أكثر في كل مرة.

عمت الفرحة ونشرنا الخبر بعد صلاة الجمعة وقمنا بتسجيل طلبات الناس.

وفي اليوم الموعود، وكان يوم أحد، ذهبنا إلى المزرعة فوجدنا كل شيء كما اتفقنا معه. الدجاج الحي في الأقفاص و السكاكين و أماكن الذبح و التنظيف، كل شيء معد بشكل جيد ولا يوجد أحد في المزرعة.

أنجزنا المطلوب قبل المغرب بقليل وكان العمل تحت إشراف الزملاء الذين يحضرون الدراسات العليا في اختصاصات مثل علم الأحياء و الطب و الطب البيطري فهم مسموح لهم بهذا قانوناً. ثم وزعنا الدجاج على البيوت.

أخذت حصتي وذهبت بها إلى المنزل. قلت لزوجتي اطبخي لنا واحدة على العشاء. كانت ألذ دجاج نأكله من سنوات. فهو نفس الدجاج الذي يباع في الأسواق اليابانية و لكنه “حلال” من تحت أيدينا. وأكل الأولاد دجاجاً طازجاً لأول مرة في حياتهم (طبعاً لأنهم ولدوا في اليابان ولم يزوروا سورية).

استمر الحال هكذا، حتى قام أحد الطلاب الإندونيسيين بفتح مذبح في فوكوكا وبدأ بتجارة اللحوم المذبوحة في اليابان بأيدي المسلمين. وهناك طبعاً محاولات أخرى في شرق اليابان و غربها وقصص أخرى ولكن عرضت هنا تجربتنا الشخصية. والآن طبعاً تنتشر المذابح الإسلامية في اليابان بشكل كبير و تتنوع المنتجات.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s