من الذاكرة 3: أول يومين في اليابان

أعود بذاكرتي إلى الوراء أكثر من خمس و عشرين سنة، إلى الأيام الأولى بعد وصولي إلى اليابان، إلى الخامس من نيسان أبريل عام 1989.

وصلنا إلى مطار ناريتا عند المغرب تقريباً. بتنا ليلتنا في فندق المطار ثم توجهنا صباحاً بالتاكسي إلى محطة أوينو في طوكيو ثم بالقطار السريع (شين كان سن) إلى مدينة سنداي في شمال اليابان. كان معي في هذه الرحلة طبيب أزهري مصري ومهندس من غينيا الجديدة (القريبة من إندونيسيا). ركبنا القطار السريع وانطلق بسرعة كبيرة متجهاً إلى الشمال. تململ صديقي المصري قائلاً: ما لهذا القطار يسير كالسلحفاة؟ وذكر القطار في مصر وسرعته. الحق معه. ففي بلادنا ضجيج القطار وصوت قرقعة عجلاته الفولاذية على السكة يشعرك بالإنجاز الذي يقوم به القطار و بالمسافات التي يقطعها بسرعة. أما قطار الرصاصة الياباني الذي نركبه فكنا لا نشعر بشيء. حتى العصير الذي نضعه أمامنا على الطاولة لا يهتز. ولهذا شعر أخونا المصري بأن القطار لا يقطع المسافات بسرعة. وأما صديقنا من غينيا الجديدة فكان يجلس متصدراً مختالاً، على وجه علامات العظمة وكأنه إبن أحد ملوك القبائل، فلقبه أخونا المصري بالعمدة.

وصل القطار إلى سنداي. وقف عندها الطبيب المصري متأففاً قائلاً: و أخيراً. ولكنه ذهل عندما علم أن المسافة التي قطعناها في ثمانين دقيقة هي ثلاثمئة وخمسين كيلومتراً.

نزلنا من القطار حاملين أغراضنا، ولكن العمدة نزل و يديه فارغتين. فعلاً إنه العمدة. ولما سأله مستقبلونا من اليابانيين عن أمتعته قال: هي في الداخل، أنزلوها. فقال المصري له بالعربي: يا عمدة. طبعاً لم يفهم. وترجمت له وضحكنا.

ولقد من الله علي باستقبال عظيم بعد رحلة شاقة. فأول ما وضعت قدمي على رصيف المحطة سمعت صوتاً يقول: أهلاً بأبي حلب. ثم تلاه صوت آخر. إنهما الأخ الدكتور الطبيب جمال الدين هزبر من أريحا والأخ المهندس مصطفى قطاع من دمشق. سررت جداً بوجودهما في استقبالي. وكان لي معهما ذكريات جميلة ستأتي في كتابات لاحقة.

وكانت من عادة معهد اللغات في جامعة توهوكو أن يكلف عائلتين متطوعتين لرعاية كل قادم جديد. وكانت هذه العائلات في استقبال الطلاب إلا العائلتين المكلفتين باستقبالي و رعايتي لم تأتيا.

ذهبنا إلى معهد اللغات لبعض الوقت وسمعنا لشرح موجز وإرشاد، ثم انطلقنا إلى مكان الإقامة. معظم الطلاب كانوا يقيمون في المدينة الجامعية إلا ستة كانوا قد استأجروا لنا شققاً في بناء بالقرب من معبد “هاتشي مان جينجا”. وقبل الوداع أوصت كل العوائل الراعية طلابها الأجانب أن يحضروا أنفسهم غداً للذهاب إلى البلدية لتسجيل الإقامة و البنك لفتح حساب و غير ذلك من الإجراءات التي سيساعدونهم على إنجازها. طبعاً، أنا لم تأت العائلات المكلفة بي ولم يقل أحد لي شيئاً و لكني سمعت ما دار بين زملائي الأجانب و عائلاتهم.

وفي الصباح، خرجت من بيتي باكراً و سألت عن الباص المتوجه إلى البلدية وذهبت إلى هناك وقدمت أوراقي ثم دخلت إلى البنك المجاور (اسمه بنك 77) و فتحت حساباً وأنهيت المطلوب. وبينا أنا على وشك الخروج وجدت زملائي يدخلون ومع كل واحد منهم اربع يابانيين لرعايته. بادرت إحدى اليابانيات بسؤالي: هل كل شيء على ما يرام؟ هل تريد مساعدة؟ أجبتها: لقد أنهيت كل الإجراءات. فشهقت شهقة تعجب يعرفها من يعيش في اليابان. ثم قالت: هل تريد مرافقتنا إلى القلعة؟ فقلت: نعم. وانتظرتهم على الرصيف خارج البنك حتى أنجزوا عملهم. وانطلقنا إلى القلعة الواقعة على جبل أوبا “أوبا ياما”. ومؤسس هذه القلعة هو القائد العسكري “تاته ماساموني” موحد توهوكو.

لقد رأيت في عدم حضور العائلات الراعية لي، خيراً اختاره الله لي وبداية تربية فريدة.

Advertisements

4 thoughts on “من الذاكرة 3: أول يومين في اليابان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s