بين الطلقاء و بني قريظة

انقسم المسلمون إلى فريقين، فريق رقيق القلب يقول بأن ما فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم مع كفار قريش عند فتح مكة هو الغالب و هو ما يجب أن تكون عليه صفة الحكم: “إذهبوا فأنتم الطلقاء”. و هذا ما يجب أن تكون عليه صفتنا نحن عامة المسلمين. وفريق شديد في أمر الله يقول بأن ما فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم مع بني قريظة حين أنفذ أمر سعد بن معاذ رضي الله عنه هو الغالب و هو ما يجب أن تكون عليه صفة الحكم: بأن “تقتل الرجال و تقسم الأموال و تسبى الذراري و النساء” ووصفه بقوله صلى الله عليه و سلم: “لقد حكمت فيهم بحكم الله”. و هذا ما يجب أن تكون عليه صفتنا نحن عامة المسلمين.

لابد لنا قبل أن نحكم أي الفريقين على حق أن نعلم أن القسم الأول قد أغفل أمره صلى الله عليه و سلم عند فتح مكة بقتل تسعة نفر و إن وجدوا تحت أستار الكعبة. أما القسم الثاني فقد وافق حكم الله ووافق حكم الديانة اليهودية حرفياً في مثل هذه الحالات كما جاء في سفر التثنية (الإصحاح العشرون).

فأي الفريقين على حق؟

كان صلى الله عليه و سلم أحكم خلق الله و أعدلهم. وكان يعلم علم اليقين نجاعة كل قرار في وقته و محل تطبيقه. فلا تنفع “إذهبوا فأنتم الطلقاء” مع بني قريظة ولا ينفع أن “تقتل الرجال و تقسم الأموال و تسبى الذراري و النساء” مع أهل مكة يوم الفتح.

فلا يجوز تعميم “إذهبوا فأنتم الطلقاء” و لا “تقتل الرجال وتقسم الأموال …. إلخ” و جعل أي منها الصفة الغالبة على أحكام رسول الله صلى الله عليه و سلم. كما لا يجوز إهمال أي منها. ولكن لكل مقام مقال.

لو فكرنا قليلاً في حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم على النفر التسعة بالقتل حتى لو وجدوا تحت أسوار الكعبة. لماذا هؤلاء من بين الجميع؟ أليس معظم رجال مكة شاركوا في الحروب ضد المسلمين؟ ألم يكن أبو سفيان زعيمهم و مع ذلك أعطاه الأمان بل و أمن من يدخل داره؟

الفرق واضح و جلي. إن رجال مكة شاركوا في حروب ضد المسلمين و الحرب لها آدابها و لها قوانينها فكان من العدل جداً تركهم أحراراً دون أن يقتلوا فهم لم يخونوا بالمعنى المفهوم عند العرب في ذلك الوقت بل كانوا محاربين شرفاء يقاتلون من أجل قضية اقتنعوا بها –على خطئها-. أما النفر التسعة فلو بحثنا في أعمالهم لوجدنا فيها خيانة ودناءة وخسة. فلم يؤمر بقتلهم لمشاركتهم في الحروب الطاحنة بين المشركين و المسلمين بل لأنهم كانوا بعملون في الظلام وينتهكون الحرمات و يقتلون من غير حرب. فالمحارب الشريف له شأن و القاتل الخسيس له شأن آخر.

أحمد عاصم المنصور – أيلول 2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s