الحثالة: المشهد 8

يسعد صباحك دكتور نبيل. كيف الحال؟

الحمد لله بخير. ما هذه المكالمة المفاجئة يا فاضل. لم أسمع صوتك منذ انتهينا من موضوع القرض.

لا تؤاخذني فالأعمال كثيرة و الدنيا تشغلنا. أحتاجك في أمر هام جداً. متى أستطيع لقاءك.

ما هو الأمر الملح؟ هل فيه عمل و نفع؟

طبعاً و هل تعرفني إلا ممن يأتي الخير معهم.

إذاً ألقاك اليوم الساعة الثامنة ليلاً في مقهى الشرف.

اتفقنا.

وصل فاضل إلى مقهى الشرف قبل الموعد على غير عادته. كان يريد وقتاً ليفكر فيه كيف يتحدث في الأمر مع الدكتور نبيل. طلب فنجان قهوة سادة و جلس يتأمل ويقدر الأمور و يحسب كل الاحتمالات. قاطعه حضور نبيل بعد فترة.

مرحباً فاضل. لم تنتبه لحضوري. فيم الشرود؟

لا شيء. لا عليك. تفضل اجلس. هل تشرب القهوة؟

بكل تأكيد. أخبرني ما الأمر الملح الذي أرسلت خلفي لأجله. هل هو متعلق بموضوع القرض المصرفي؟

لا، لا علاقة له بذلك بل هو أمر جديد ستكسب منه مالاً يعوضك عن صفقة القرض التي لم نستطع أن نرضيك فيها.

ما هو هذا الأمر؟

الأمر جد بسيط. عندنا مزاد لاستئجار أرض من الحكومة و أريدك أن تدخل في المزاد لتزيد في السعر حتى لا يرسو على منافسينا.

هذا أمر سهل. وكم هو الثمن؟

دكتور نبيل! أنت دائماً متسرع لتعرف الثمن. وهل عهدتنا يوماً نغش أو نخون.

أبداً و لكن ليطمئن قلبي.

انظر، نحن لن ندفع لك كثيراً و لكن مهارتك في المزاد و جعل السعر يرتفع ستضطران الخصم على التفاوض و هكذا سيعرضون عليك مبلغاً من المال حتى تنسحب من المزاد وهنا بيت القصيد. لقد لجأنا إليك لأنك أستاذ في الجامعة و عندك من المهارات ما يمكنك أن تفعل هذا بسهولة. لا تشغل بالك كثيراً، سأرسل لك التفصيلات كاملة حول الأمر. اتفقنا.

اتفقنا. أراك يوم المزاد.

ولكن احذر من الحديث معي أو الالتفات إلي. يجب ألا يعرف أحد باتفاقنا.

فهمت. لا تخف.

وجاء يوم المزاد. حضر نبيل إلى قاعة المزاد باكراً حتى يعتاد المكان و ويشعر بالراحة. سرح بخياله و بدأ بوضع تصور لمجريات المزاد. هذا سيساعده أكثر على خوض المعركة. نوع من التدريب التخيلي الذي يستخدمه بعض أبطال الرياضة قبل المباريات و المسابقات.

بدأ الناس بالتوافد الواحد تلو الآخر. لا أحد يتحدث مع أحد. الوجوه واجمة تترقب. ثم دخل أخيراً المهندس فاخر. وفاخر هذا هو من طلاب نبيل في الكلية. تخرج و هو الآن يعمل في الجهة الحكومية صاحبة المزاد. نظر فاخر نظرة خاطفة إلى نبيل يفهمه من خلالها أن كل شيء على ما يرام، و أن الاتفاق الذي تم بينهم البارحة ساري المفعول. وهكذا اكتملت السلسلة.

بدا المزاد و علت الأصوات بالزيادات. لم يشارك نبيل في أول الأمر ثم عندما بدأ الناس بالانسحاب ولم يبق إلا الخصم الهدف، رفع نبيل يده بسعر مرتفع. ذهل الخصم من هذا. زاد الخصم في السعر فوق زيادة نبيل، فهو مضطر للحصول على هذا المزاد مهما كلف الأمر. فزاد نبيل السعر. وهكذا احتدم المزاد و بلغ السعر مبلغاً لم يكن في حسبان أحد. وهنا تحرك أحد الأشخاص و كان واقفاً بصمت طيلة مجريات المزاد و اقترب من نبيل هامساً في أذنه: سنعطيك ما تريد على أن تترك المزاد. هذا ما كان نبيل ينتظره. صمت الجميع و فاز الخصم بالمزاد.

في اليوم التالي جاء الخصم إلى مكتب نبيل في الجامعة حتى يدفع له ثمن انسحابه من المزاد. أخرج ظرفاً من جيبه و قدمه إلى نبيل. فتحه نبيل على عجل ووجد المبلغ المتفق عليه بداخله. أغلق الظرف و وضعه في جيبه. وهنا تكلم الخصم وقال: هل لك أن تخبرني لماذا فعلت هذا بي؟ هل أنت مدفوع من أحد؟ ابتسم نبيل وقال: المزادات هذه فرصة لا تعوض للكسب. نعم هناك من دفعني إلى هذا ولكن لن أخبرك. خرج الخصم منزعجاً و ترك وراءه نبيلاً مسروراً بنصره و كسبه.

امسك نبيل سماعة الهاتف و اتصل بفاضل: انتهى كل شيء يا فاضل كما توقعتم و خططتم. هل ستأتي لأخذ حصتك. أجابه فاضل ضاحكاً: صحة و هناء على قلبك، لا أريد شيئاً. استغرب نبيل: ولماذا إذاً طلبت مني فعل هذا و أنت لا تريد لا المزاد و لا المال؟ علت ضحكة فاضل عبر سماعة الهاتف: فقط أذى الناس يسعدني. لا تنسى أن تعطي المهندس فاخر حصته فهو من قام بالترتيبات الإدارية، ثم أغلق السماعة.

Advertisements

3 thoughts on “الحثالة: المشهد 8

  1. من المؤسف أن هذا التصرف أصبح عادة لدى فئة كبيرة ممن يشارك في المزادات.
    أما ما يزيد الأمر إساءة هو أن يشارك أستاذ جامعي بمثل هذه التصرفات.
    لاحول ولا قوة إلا بالله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s