الحثالة: المشهد 7

كتبها أحمد عاصم المنصور كانون الأول 2011

في صباح أحد الأيام المشمسة، استيقظ فاضل وفتح النافذة و أطل منها على الحرم الجامعي فدخل الهواء العليل المنعش. قال بصوت سمعته زوجته: نحن محظوظون بالسكن هنا أمام الجامعة. الهواء نظيف و المنظر جميل. نعم إن هذا مسكن رائع. لقد عملت بجهد حتى جمعت المال الكاف لشراءه، كل هذا من كدي و تعبي. أنا أستحق هذا. مالك تحدث نفسك؟ لا شيء سوى أني معجب بمنزلنا. أتدرين لولا طلاب الجامعة وازدحامهم لكان جنة من الجنان. لا أعلم ماذا يستفيدون من دراستهم في الجامعة. أظن معظمهم يأتون للتسلية و إضاعة الوقت. هأنذا لم أدرس لا في جامعة و لا في مدرسة. لا ينقصني شيء، ناجح في عملي، متألق في مجتمعي عندي ما ليس عند الكثيرين من المتعلمين. قاطعته زوجته قائلة: ولكن التعليم ضروري. ألن ترسل أولادنا إلى الجامعة عندما يكبرون؟ ربما أفعل من أجل السمعة و الهيبة أمام الناس. و لكن في قرارة نفسي لا أرى حاجة لذلك. بأي حال مازال الوقت مبكراً على هذا الحديث. عندما يكبر الأولاد سأرى ما يفعله أقراني من التجار و أفعل مثلهم فلست أقل منهم، و أتبع المبدأ القائل: على حسب السوق.سألته زوجته: أراك استيقظت باكراً اليوم على غير عادتك؟ أريد الذهاب إلى الجامعة لزيارة أحد أصدقائي وهو دكتور في الجامعة. سأستشيره في أمر ما. حضري لنا الفطور فقد بقي ربع ساعة على موعدي. التأخير بضعة دقائق لا يضر. سآكل و أشرب الشاي ثم أذهب.

تناول فطوره على مهل دون أن يشغل باله بوقت اللقاء، ثم غادر متجهاً إلى الجامعة التي تبعد أمتاراً فقط عن بيته. ركب سيارته زيادة و إمعاناً في التفاخر. فهو يريد التباهي بها ضمن الحرم الجامعي. أوقفه الحارس على باب الجامعة سائلاً: هل معك بطاقة دخول إلى الحرم الجامعي؟ استغرب من هذا السؤال وأجاب للحارس: أنا أريد زيارة الدكتور نبيل فعندي موعد معه. أصر الحارس على منعه من الدخول تطبيقاً للقوانين. ولكن فاضل دخل بسيارته متباهياً بعد أن حل الموضوع مع الحارس بطريقته الخاصة التي يتبعها لفتح الأبواب و الأقفال.

أوقف السيارة أقرب ما يمكن من مبنى الكلية التي يعمل فيها الدكتور نبيل و دخل إلى البهو سائلاً عن مكتب الدكتور نبيل. صعد إلى الطابق الثاني كما أرشدوه و مشى في الممر حتى وصل إلى آخره حيث مكتب الدكتور نبيل. مرحباً بك يا أستاذ فاضل. لقد تأخرت علي. أعرف ذلك ولكن عادي يا دكتور لا تكن حساساً. التأخير يزيد الحماس للعمل أكثر و يجعل من الأمر مشوقاً. على كل حال، طالما أنك مستعجل لنبدأ بالعمل. ماذا قررت بشأن موضوع المصرف. لقد اتفقت مع جماعة المصرف على أن تكون أنت رئيساً للجنة الهندسية التي ستقرر بشأن القرض. قاطعه الدكتور نبيل قائلاً: و لكن يا سيد فاضل المبلغ الذي يدفعه البنك عادة لمثل هذه اللجان غير كاف لكتابة تقرير كما تريده أنت. ضحك فاضل من قوله: لا تخف سنعطيك حتى ترضى. ولكن متى سننهي هذا الأمر؟ أنا مستعجل و أريد الحصول على المال بسرعة. سأقدم التقرير بعد أسبوع من الآن إلى المصرف ويمكنك أن تأتي قبل يوم من ذلك حتى ترى التقرير بنفسك و تتأكد من محتواه. ولكن ماذا عن باق أعضاء اللجنة؟ هل ضمنتم موافقة الجميع؟ لا تقلق يا دكتور نبيل، كل شيء تم الترتيب له بدقة. أكتب أنت التقرير و هم سعداء بالتوقيع دون كشف أو إطلاع. الكل فرح بما يقبض. ابتسم الدكتور نبيل سعيداً بما سيحصل عليه من المال. انتهى الحديث بسرعة كما كان يتوقع فاضل. بادره الدكتور نبيل بالحديث و هو يهم بالمغادرة: كم ستكون حصتي من هذه الصفقة؟ أليست صفقة وهمية و قرض مصرفي من أجل منشأة وهمية و ضمانات وهمية؟ نظر إليه فاضل مستغرباً: ألم أقل لك أنك سترضى. ولكن أحب أن أعرف. نصف مليون ليرة سورية، مارأيك؟ فغر نبيل فاه من فرحته بالمبلغ، ولكنه قال مستجدياً: هل من الممكن أن نزيدها قليلاً، ثلاثة ارباع المليون مثلاً. يبدو أنك طماع يا دكتور نبيل. لم أدر أن أسعار الخيانة في الجامعة مرتفعة إلى هذا الحد. الذي سمعته من أقراني التجار الذين يأتون ببضائع لفحصها و الحصول على شهادات ووثائق تثبت صلاحيتها مع أنها غير صالحة، الذي سمعته أن الأسعار غير ذلك تماماً. ولكنك تسعى لقرض كبير من المصرف وهذا له ثمنه يا صديقي فاضل. بأي حال، المهم أن تسرع بكتابة التقرير. نسيت أن أسألك دكتور نبيل، هل أنت خبير محلف؟ بالطبع و معتمد لدى العديد من الجهات الرسمية، ومستعد لكل الطلبات. ضحك فاضل و هو قريب من باب الغرفة. يبدو أننا سنتعاون كثيراً يا دكتور نبيل. سار فاضل على مهل في ممرات الكلية متجهاً إلى سيارته ناظراً يميناً و شمالاً متأملاً حال الطلاب قائلاً لنفسه: هل أرسل أولادي إلى الجامعة ليدرسوا على يدي رجال كنبيل، صحيح أن أمثاله يعجبونني للعمل و تيسير الأمور، و لكن في الحقيقة لا أراه مناسباً لتعليم الشباب. نعم أنا أحب الخداع و الكذب وكل ما فيه تحايل ولكني لم أشعر بالكآبة والخزي كما شعرت بهما الآن و أنا أتعامل مع أمثال الدكتور نبيل. نحن نعلم أصحابنا اللافضيلة ولكني لم أحتمل أن تصدر عن رجل من المفترض أن يكون معلماً و مربياً. وهو في خضم تأملاته اصطدم بطالب فصحا من سرحانه و نفض أفكار الفضيلة عن رأسه قائلاً لنفسه: نبيل اسم على غير مسمى. ما يهمني أن ينجز العمل المطلوب. أما الجامعة و التعليم فليس مشكلتي. ركب سيارته و هو سعيد بنصره و لم ينسى أن يلتفت و هو بالقرب من البوابة الرئيسية إلى الحارس الذي وقف له مع تحية عسكرية مبتسماً قائلاً: الله يرزقك يا أستاذ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s