الشَّيخُ عبدُ الرَّحمنِ زينُ العابدينَ الصَّانعُ الماهر

أعدَّها أحمد عاصم المنصور

ألقيت يوم الاثنين 14/آب/2006

في المركز الثقافي في حلب

بمناسبة حلب عاصمة الثقافة الإسلامية

بسم الله و الحمد لله و الصَّلاةُ و السَّلامُ على رسولِ اللهِ و على آلهِ و صحبِهِ و أتباعِهِ إلى يومِ الدِّين.

أمَّا بعد

ربما يقولُ قائلٌ: ماذا يفعلُ مهندسٌ على مِنَصةٍ، الحديثُ فيها يدورُ عن أحدِ أقطابِ الدِّينِ و علمائِهِ؟

و مَا علاقةُ الهندسةِ بِعُلومِ الدِّين و التَّميزِ فيها؟

فالذي يَعرِفُ الشَّيخَ عبدَ الرَّحمنِ زينَ العابدين رحمهُ الله يَعرفُ لماذا لا بُدَّ من وجودِ مُهندسٍ و بخاصةٍ مِيكانِيكيّ و الذي لا يَعرفُ مَنْ هُوَ الشيخُ المهندسُ عبدُ الرَّحمنِ فَليستمعْ في هذهِ العُجالَةِ إلى نُبذةٍ عن مَهاراتِ الشَّيخِ في صُنعِ و صِيانةِ المعداتِ الميكانيكية.

 

أوَّلُ ما سمعتُ عن الشَّيخِ في مجلسِ أخي الشَّيخِ عليِّ الوليِّ ابنِ الشَّيخِ محمَّدِ الوليِّ رحمهُ اللهُ و ذلك بعد عودتِي من الإيفادِ حيث كنت مُوفداً للحصولِ على الشَّهادةِ العالميَّةِ من دولةِ اليابان. فسألني أحدُ الحُضورِ في المجلسِ عن الاختصاصِ الذي درستُه. فلمَّا أجبتُه أنِّي درستُ عِلمَ المعادنِ و السِّباكةِ قال الشَّيخُ عليُّ الوليُّ: إنَّ الشَّيخَ عبدَ الرَّحمنِ زينَ العابدينَ كانَ بارعاً في صُنعِ المعادنِ و تقسيَتِها و كذلك في صِيانةِ الآلاتِ الدَّقيقةِ و غيرِها.

 

فعجبتُ لهذا. أيكونُ بينَنا عالِمٌ موسوعيٌّ يُلِمُّ بعلومِ الشَّرعِ و الأدبِ و كذلك الهندسةِ و لا نقابِلُهُ و لا يُذكرُ في كُليَّاتِ الهندسةِ. و نَدِمتُ أشدَّ النَّدمِ عندما علِمتُ أنَّهُ تُوفِيَ بعدَ تخرجِنَا عامَ 1990. أي أنَّه كان يَحيا بيننَا و نحنُ طلابٌ في كليةِ الهندسةِ و لم نستفدْ من علمِهِ. و قلتُ لنفسي إنْ فاتَتْنِي فرصةُ لُقياهُ فمازالَ طلابُهُ و أقرانُهُ و أولادُه بيننَا أستطيعُ أن أقابلَهم و أسمعَ منهم عن علومِ الشَّيخِ و مهاراتِه. و آليتُ على نفسي منذُ خمسةِ أعوامٍ تقريباً أن أنشرَ ما جمعتُه عن الشَّيخِ في محاضرةٍ. و لم يتيسرِ الأمرُ حتى أَذِنَ اللهُ بذلك اليومِ.

 

فبدأتُ أسألُ عن الشَّيخِ و أتقصَّى الحقائقَ و القِصصَ المتواتِرةَ التي تَروي عن براعتِهِ في صناعةِ المعادنِ و صيانةِ السَّاعاتِ الدَّقيقةِ و التَّجهيزاتِ الطّبيةِ و الأسلحةِ و الأدواتِ الموسيقيةِ إلى آخرِ ما هُنالكَ من إبداعاتٍ هندسيَّةٍ قَلَّ أن يستطيعَ أحدٌ الإلمامَ بأحدِها فضلاً عن كلِّها دون دراسةٍ في الكلياتِ الجامعيّةِ و على يدِ الأساتذةِ المختصينَ. و لكنْ لا عجبَ أمامَ قُدرةِ اللهِ تعالى الذي علَّم الإنسانَ مالم يعلمْ.

 

و قد أشارَ عليَّ بعضُ الأساتذةِ الأفاضلِ و من بينِهمُ الشَّيخُ يوسُفُ هنداوي و الشَّيخُ عليُّ الوليُّ بالاطِّلاعِ على كتابِ الإحكامِ للإمامِ القرافي رحمه الله و الذي حقَّقَهُ الشَّيخُ عبدُ الفتاحِ أبو غُدَّة رحمه الله. و مُناسَبةُ ذِكرِ الإمامِ القرافي أنَّهُ كان أيضاً بارعاً صانعاً حيثُ يقولُ عنه الشَّيخُ أبو غدّةٍ في تَرجَمَتِهِ: “و كانَ إلى جانبِ إمامَتِهِ و تَبَحُرِهِ في عُلومِ الشَّرِيعةِ و فُنُونِها من الفَلَكِيين النَّبغةِ البارعينَ النَّوادرِ في عملِ التَّماثيلِ المتحركةِ في الآلاتِ الفلكيةِ.”

 

ثم قال الشَّيخُ أبو غُدَّة: و لي صديقٌ عزيزٌ رحلَ إلى دارِ الكرامةِ، تميَّزَ بأعجبَ مِنْ هذا في دقةِ صُنعِ الآلاتِ الدَّقيقةِ و إبداعِهَا و استعمالِها، و بِحِذْقِ الرِّمايةِ وإصابةِ الأهدافِ النَّاعمةِ الصَّغيرةِ جداً. هو الشَّيخُ العالِمُ الفاضلُ الصَّناعُ العجيبُ الأستاذُ الشَّيخُ عبدُ الرَّحمنِ زينُ العابدينَ الأنطاكيِّ ثمَّ الحلبيِّ….. و قد أَلحقتُ بآخرِ هذا الكتابِ مَقالاً ضَافياً عن مهارتِه و إبداعِه بقلمِ أستاذِنا العلامةِ ِالكبيرِ فضيلةِ الشيخِ مصطفى الزرقا (رحمه الله) أمتع الله به، فانظرْهُ لِزاماً ففيه العجائبُ الصَّادقةُ الخارقةُ. أهـ

 

و كان أن طلبتُ من أخي أن يشتريَ كتابَ الإحكامِ فاشتراه من بيروت.

وأَختصرُ هنا ما قاله الشَّيخُ مصطفى الزرقا في المقالَةِ التي كتبَها في 10/جمادى الأولى/1413 هـ خلالَ إقامَتِه في الرِّياض:

  • §  كان الشَّيخُ عبدُ الرَّحمنِ حديدَ البصرِ يميِّزُ بعينِهِ المجرَّدةِ ما يحتاجُ غيرُه لتمييزهِ مكبِّرة.
  • §  كان يحبُّ الرياضةَ البدنيّةَ و المشيَ الطّويلَ.
  • §  كان صيَّاداً ماهراً. يرمي الطُّيورَ و هي طائرةٌ و الحيواناتِ و هي راكضةٌ فلا يخطئُها.
  • §  كان سديدَ الرِّمايةِ لحدَّةِ بصرِهِ و ثباتِ يَدِهِ و دقّةِ ملاحظتِهِ و حسابِهِ لحركَةِ الأهدافِ المتحركةِ.
  • §  أحضرَ معهُ مرَّةً إلى المدرسةِ الشَّعبانيةِ بُندقيةً صَنعَها بنفسِه و صبَّ كُراتِها الرَّصاصيةَ أيضاً. و جاءَ بإبرةٍ صغيرةٍ فغرسَها بينَ بَلاطَتَينِ حتى غابَ نصفُها و ابتعَدَ نحوَ ثلاثةِ أمتارٍ ثم رَمى الإبرةَ فطارَ نصفُها الظَّاهرُ. ثمَّ رَكَزَ قِطعةً من الفخَّارِ صغيرةً في مكانٍ بعلوِ قامةِ الإنسانِ و ابتعدَ عنها مترينِ أو ثلاثة و أدارَ ظهرَهُ و نظرَ في مرآةٍ في يدِهِ فَرَمَاهَا فتطايرت.
  • §  و كان إلى جانبِ مزيَّتِه النَّادرةِ في الرِّمايةِ صِنْعاً لم أعرِفْ و لم أسمعْ عن نظيرٍ لهُ في صُنعِ الأشياءِ الدَّقيقةِ التي تحتاجُ إلى دقّةٍ بالغةٍ، لا تُضبطُ إلا بآلاتٍ غايةٍ في الدِّقةِ و الحَساسيّةِ.
  • §  كان يصنعُها بيدِهِ و يضبِطُ مقاييسَها الدَّقيقةَ بِبَصرِهِ الحديدِ، و يستخدمُ فيها الميشارَ الدَّقيقَ، و المِبرَدَ و المَثاقبَ بحجومِها المختلفةِ التي تصلُ إلى حَجمِ رأسِ الإبرةِ صغراً. و يصنعُ هو تلكَ المثاقبَ من الفولاذِ بيدِه. و قد شاهدتُ كلَّ ذلكَ منه بنفسي في مختلفِ زياراتي لَه، إذ كنتُ أمكثُ عندَهُ في الزِّيارةِ الواحدةِ ساعات.
  • §  و قد أراني يوماً ميلاً فولاذياً طولُه نحوَ عَشْرةِ سنتيمترات، و غِلَظُه لا يزيدُ عن ثلاثةِ ميليمترات، و مقطعُه مضلَّعٌ سُباعي صنعَه بيدِهِ في البدايةِ مبروماً ثم بَرَدَهُ بالمِبرَدِ فجعلَهُ مُضَلَّعاً سَبعةَ أضلاعٍ مُتساويةٍ لا تجدُ إذا نظرتَ بالمكبرةِ فَرقاً بينَ ضلعٍ وآخرَ و لا قَدْرَ شعرةٍ و لا اعوجاجاً كأنَّه خارجٌ من مصنعٍ آليٍ. و قد نبَّهني إلى الفَرقِ العظيمِ في السُّهولةِ و الصّعوبةِ بين جَعْلِ أضلاعِهِ زوجيّةً و بين جعلِها فَرديّةً.
  • §  و انكسرَ في معملِ شركةِ الغَزلِ و النّسيجِ بحلبَ تِرسٌ مسنَّنٌ في أحدِ الأجهزةِ و كان مسنَّناً فيه أسنانٌ متعرجَةٌ و حركاتٌ دقيقةٌ و توقفَ المعملُ فذُكِرَ لَهمُ الشّيخُ فأتَوهُ بالمسنَّن المكسورِ فصَنَعَ بديلاً عنهُ كأنَّه هو حين كان جديداً.
  • §  و من أهم مزاياه أنَّه كان ساعاتيّاً، إذا استعصى على السّاعاتيّةِ في حلبَ إصلاحُ ساعةٍ توقفت لَجاؤوا إليه فأصلٍَحها.
  • §  و كان يقولُ لي: قلّما تُسلِّمُ ساعةً إلى ساعاتيٍّ ليصلحَها إلا و يُحدِثُ بها ضرراً.
  • §  و كان خبيراً في الأسلحةِ. أحضرَ له شخصٌ يوماً بندقيةً انكسرت فيها قِطعةٌ و فُقِدَتِ القِطعةُ المكسورةُ و لا يوجد مثيلٌ لهذه البُندقيّةِ حتّى يُعرَفَ شكلُ القِطعةِ المكسورةِ. فقالَ له: اتركْهَا عندي إلى الغد. فتأمَّلَ فيها و درسَ حركةَ أجزائِها ثم قدَّرَ شكلَ و حجمَ الجُزءِ الناقِصِ و صَنعَهُ بيدِه و أدواتِه الخاصّةِ فاشتغلتِ البندقيّةُ و أعطاها لصاحبها في اليوم التّالي.
  • §  و كان خبيراً في سِقاية الفُولاذ بدرجاتِه المختلفةِ. و قال لي إن سقايةَ السيوفِ و هي طويلة دونَ أن يعتريَ قِوامَها خَللٌ أو اِلْتِواءٌ صعبٌ جداً. و قد كان يفعلُ ذلك بمهارة.
  • §  و قد أراني يوماً موسىً من النوعِ الذي في نصابِهِ قِطَعٌ عديدةٌ (ما نسميه اليوم سكيناً سويسرياً) صنعَهُ بنفسِهِ من فولاذِ هواءٍ (بولاد هوا بالعامية). أهـ

 

و كتبَ الأستاذُ عبدُ الرزاقِ خليلُ دملخي عن أستاذِهِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ الكثيرَ أوردُها هنا بتصرف: كان رحمَهُ الله  يُجيدُ صنعةَ الميكانيك و لا سيما ما دقَّ منها. و كان يصنعُ الآلاتِ الفلكيةَ و يستعملُها كما صَنعَ مقياساً لقياسِ سماكةِ الصاجِ و بلغَ من دقتِهِ أنهُ استطاعَ أن يثقبَ إبرةً و يفرغَ قلبَها بإبرةٍ أدقَّ منها. هو خبيرٌ بالمعادنِ يعلمُ أسرارها و كيف تكونُ طريةً أو قاسيةً. و كان كثيراً ما يقولُ: إنَّ اللهَ ذكرَ الحديدَ في القرآنِ و أثنى عليه فما اشتغلَ به أحدٌ إلا و نالَهُ خيرٌ منه و أكرمَهُ الله. و يوماً أصيبَ جهازُ تصويرِ أشعةٍ لطبيبِ مشهورٍ فأصلحه الشيخُ. و سمعتُ منه أنهُ قرأَ في سيرةِ صلاحِ الدينِ الأيوبيِّ أنَّهُ كان يقطعُ خيطَ الحريرِ المعلَّقِ في السقفِ بالسيفِ و يرمي بالمنديلِ الحريريِّ في الهواءِ ثم يَهوي عليهِ بالسيفِ فيقطَعهُ. قال الشيخُ: فلبثتُ مدةً أتدربُ على ذلكَ حتى قطعتُ الخيطَ و المنديل. أهـ

 

و أخيراً يقول الشيخُ عبدُ الفتاحِ أبو غدة واصفاً الشيخَ عبدَ الرحمنِ رحمهما الله: كان

  • §  كالشافعيِّ و البخاريِّ و أمينِ الحسيني في الرِّماية
  • §  و كالفارابيِّ في معرفةِ اللغاتِ
  • §  و كالقرافي و الخياطِ في الصناعةِ اليدويةِ
  • §  و كالمَشَّاءِ على الحبلِ المنصوبِ في الهواءِ في المهارةِ الجِسميةِ
  • §  و كالفراهيديِّ و سيبويه في الفطانةِ العقليةِ
  • §  و كأبي يوسُفَ (يعقوبَ) و البخاريِّ و الدارقطني و الحاكمِ و غيرهم في العبقريةِ الحفظيةِ
  • §  و كزرقاءِ اليمامةِ في القوةِ البصريةِ
  • §  و كإبراهيمَ النظامِ في القوةِ السمعيةِ
  • §  و ككعبٍ بنِ مالكٍ في سرعةِ العَدوِ و اللهُ يختصُّ بفضلِهِ من عبادِه من يشاء. أهـ

لقد وهبَ اللهُ الشيخَ عِلماً و موهبةً هندسيةً قلَّ نظيرُها في عصرنا الحالي. و لقد ذُهلتُ و لم تصدقْ عينايَ – عندما اطَّلعتُ على بعضِ المصنوعاتِ اليدويةِ للشيخِ لدقتِها و إتقانِ صُنعِها- أنَّ ما أراهُ صناعةً يدويةً بأدواتٍ بسيطة.

Advertisements

3 thoughts on “الشَّيخُ عبدُ الرَّحمنِ زينُ العابدينَ الصَّانعُ الماهر

  1. سبحان الله علم الانسان مالم يعلم
    دكتور ممكن سؤال هل هذا العالم والشيخ الجليل هو نفسه من يعرف سر صناعه السيف الدمشقي
    ام انه لا علاقه له بهذا الفن ؟

    1. السلام عليكم: لم اسمع عن هذا الأمر بشكل خاص و لكنه كان عالماً عظيماً في المعادن و السبائك و تقسيتها لذلك لا أستبعد أن يكون لديه سر الفولاذ الدمشقي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s