لكم دينكم ولي دين

كتبها: أحمد عاصم المنصور

تدقيق و مراجعة لغوية: رحاب حيدري

حلب 30 سبتمبر 2006

 

الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا محمد رسول الله و على آله و صحبه و من والاه.

و بعد

تعصف بالأمة اليوم رياح غريبة من نوعها. رياح لا شرقية و لا غربية. تنشأ من الداخل و تحركها أيدي بعض الواهمين معتقدين أنها تجلب برودة و سعادة و خيراً. و لا يعلمون أنهم بذلك إنما يثيرون غباراً و سحاباً يعمي بصيرة بعض الخاصة فضلاً عن عامة المسلمين.

إنها خدعة حوار الحضارات. سموها صراع الحضارات. ثم وجدوا كلمة صراع لا تليق بالطريقة الحديثة لبث السموم في المجتمعات العربية و الإسلامية فغيروا المصطلح إلى حوار الحضارات ثم إلى حوار الأديان ثم تقارب الأديان ثم توحيد الأديان.

و ظهرت في هذا الزمان ثلة من العلماء المتكلمين بهذا مدعين العلم بطريقة الحوار مع “الآخر”. و ذاع صيت بعضهم لوهم في الناس زرعوه بكلامهم المنمق و صعودهم المنابر برفقة بعض الأشخاص من “الآخر”. أوهموا الناس أن معاملة “الآخر” يجب أن تؤخذ عنهم فحسب. فهم من يعرف كيف نصون حقوق “الآخر” و كيف نجادله و كيف نعايشه بل و كيف نصادقه. و هل تكفي قراءة آيات القرآن الكريم و أحاديث السنة المطهرة التي تتحدث عن الآخر و فهمهم لها لتجعلهم أئمة يحتذى بهم في معاملتنا “للآخر”. أليسوا هم من يقول على المنابر أن قراءة القرآن وفهمه لن تنفع دون تطبيق. و نتساءل دائماً عن هؤلاء المدعين: متى صادقوا “الآخر”؟ متى عرفوه؟ هل جلسوا بجوار “الآخر” على مقاعد الدراسة؟ هل تعاملوا مع “الآخر” في تجارتهم؟ هل سافروا معه؟ هل لعبوا في طفولتهم معه في الحواري القديمة؟

يرددون على أسماعنا كلاماً لم يعقلوه و أشياء لم يجربوها. قال لهم البعض أن النجاح في هذا الزمان لكل من يتحدث بهذا فتحدثوا. و أن الفلاح لكل من يحمل هذه الراية فحملوا. و ماذا حصدنا من لقاءاتهم و حواراتهم و سياستهم و خطبهم إلا هواناً على هوان و ذلاً على ذل. أهدروا كرامة الأمة بحجة الحوار و أضاعوا هيبة المسلمين بزعم التسامح.

ألم يكن وضع التعايش أفضل قبل إطلاق كذبة الحوار؟

ألم يطلقوا هذا الشعار خوفاً من انتشار الإسلام؟

كان هدفهم تشويش عقول الناس حتى يلتبس الأمر فلا يعرف الإسلام من غيره و لا يتميز المسلم عن غيره فتضيع هويته و يضيع دينه.

إذاً كيف نفعل عند تعاملنا مع الآخر؟

كيف السبيل إلى التعامل دون إهدار لكرامتنا؟

إن أفضل مدخل للحديث عن الآخر هو قول الله تعالى “لكم دينكم و لي دين”.

فالرجوع إلى هذه الآية الكريمة يعطينا تصوراً واضحاً عن الطريقة القويمة في التعامل مع الآخر. فهي المرجع المعتمد و الأساس الذي تبنى عليه علاقتنا مع الآخر.

يختصر الله سبحانه و تعالى كل ذلك في الآية الكريمة: “لكم دينكم و لي دين”.

لكم حياتكم و لي حياتي.

لكم ربكم و لي ربي.

لكم معبودكم و لي معبودي.

لكم عبادتكم و لي عبادتي.

لكم شخصيتكم و لي شخصيتي.

لكم أهدافكم و لي أهدافي.

لكم عقيدتكم و لي عقيدتي.

لكم طريقتكم و لي طريقتي.

لكم سياستكم و لي سياستي.

لكم حزبكم و لي حزبي.

لكم خياركم و لي خياري.

لكم شأنكم و لي شأني.

لكم حسابكم و لي حسابي.

لكم جنتكم و لي جنتي.

لكم دنياكم و لي آخرتي.

لكم أولياؤكم و لي الله.

“لكم دينكم و لي دين” تعني المفارقة التامة و توضيح الخطوط البينية الفاصلة حتى لا يحدث اللبس و الخلط. هذه الآية الكريمة لا يجب تجاوزها أبداً عند التعامل مع الآخر. فهي الدستور الواضح الذي جعله الله هادياً يعطي كل ذي حق حقه. فلا تعدي على الآخر و لا استسلام للآخر.

“لكم دينكم و لي دين” لو طبقناها لوجدنا خيراً كثيراً لنا و للآخر. فهذه الآية

لا تعني ترك دعوة الآخر إلى الحق

لا تعني إكراه الآخر على شيء

لا تعني الاختلاط الزائد مع الآخر

لا تعني قتل الآخر

لا تعني نبذ الآخر

لا تعني إرهاب الآخر

لا تعني عدم التعامل مع الآخر

لا تعني عدم مجاملة الآخر

لا تعني عدم إنصاف الآخر

لا تعني ظلم الآخر

لا تعني الاستسلام للآخر

لا تعني الخضوع للآخر

لا تعني الخوف من الآخر

لا تعني استجداء الآخر

فللآخر حقوق الجوار و لكن “لكم دينكم و لي دين”.

و للآخر حقوق المواطنة و لكن “لكم دينكم و لي دين”.

نتاجر معه دون غبن و لكن “لكم دينكم و لي دين”.

نتعامل معه دون ظلم و لكن “لكم دينكم و لي دين”.

أما قضية من هو على حق و من هو على باطل فهذا من شأن الله تعالى “و الله يحكم بيننا يوم القيامة”. 

Advertisements

10 thoughts on “لكم دينكم ولي دين

  1. احيانا من روعة الشي الذي نقرأه لا نستطيع
    التعبير عن اعجابنا بكلمات فنصمت ونعلن
    عجزنا عن النطق
    سأكتفي بقول أن المهندس قادر على أن
    يفعل أشياء كثيرة وقادر على نطق
    كلمات رائعة ومعبرة
    عنجد دكتور كلمات كتير معبرة ومن أجمل ما قرأت

  2. شكرا لك على هذه المقاله لقد لخصت الوضع الحالي باسلوب رائع ومفيد لك الشكر على ماقدمت

  3. انا اقرأ هذه المقالة للمرة الأولى15-3-2013الحقيقة يادكتور مارح قول انها معبرة لانه هالكلمة مابتوفي هالمقالة حقهاالحقيقة انت عم تكتب تماما عن الشي الي عم يحدذ تماما الان اي بعد7سنوات من تاريخ كتابة المقال
    الله يحميلنا ياك ويقويك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s