تحرر المرأة؟

كتبها أحمد عاصم المنصور – أب 2007

مقدمة

يقتضي المنطق أن يطلب المرء ما يعلم فساده من منفعته. و أدق متطلبات الحكمة أن يعرف الإنسان الضار من النافع. و لكن كثيراً من الناس يطلبون ما لا يعرفون و يرفضون ما لا يفهمون.

و تحرر المرأة من الأمور التي يطلبها البعض دون معرفة و يرفضها البعض دون فهم. و كلا الفريقين خاسر.

و لو تأملنا في شخصية الإنسان المعاصر و تسألنا، ما مقدار الطبيعي من الخلق و السجايا التي يتحلى بها و مقدار المزيف و الظاهري منها. يقول د. فخري الدباغ: “سنصاب بخيبة أمل عندما نجد أنه كلما قطعت البشرية عقوداً و قروناً من الزمن فإنها تفقد من الجوهر و تزيد من المظهر المصطنع، و تضيع بين القشور و تنحدر إلى الخداع.”

لنعكس الأمر على موضوع المرأة و نرى هل الذين يطالبون بتحررها يعرفون ما يطلبون و الذين يرفضون ذلك يفهمون ما يرفضون.

هل هو طلب تحرر، أم طلب مساواة؟ أم أنه طلب للرجوع إلى الطبيعة التي خلق الله المرأة عليها. أين وصل مجتمعنا من التوازن بين الطبيعي من الخلق و السجايا و المزيف و الظاهري منها؟

المرأة في العصور القديمة

يقول وستر مارك في كتابه عن أصول الأفكار الأخلاقية و تطوراتها: “إن المرأة في السلالات المتخلفة على العموم تعيش في حالة تعويل على غيرها.” و اتفق علماء الأجناس على أن الزوجات في القبائل الهمجية في استراليا و أفريقيا و أمريكا كن يستخدمن لجمع الأطعمة النباتية. أما الصيد فكان من عمل الرجال. و كان تعدد الزوجات شائعاً و يشيع معه عرف الزوجة المفضلة على ضرائرها. و لم يكن للمرأة دور سياسي لأن ذلك كان من نصيب الرجال.

         و أما اليونان فقد جعلوا المرأة إما خادمة أو مدبرة للبيت. وكانت غرف الزوجات قليلة النوافذ و لم يكن يسمح لهن بالخروج كثيراً. و مع ذلك فقد كان اليونان يجلون المرأة الكاهنة و الساحرة. و ظلت المرأة في عهد اليونان معزولة عن الحياة العامة.

         و كان الرومان يعتقدون أن النساء مصابات “بالعته الطبيعي.” و عندهم زواج يدعى زواج الولاية حيث يتصرف الزوج بزوجته و مالها. و كانت أخلاق النساء بشكل عام متشابهة فلا فرق بين المرأة اللاهية و المرأة التي قعدت في بيتها. حتى أن الحكيم سنيكا كان يقول: “إن المرأة في زماننا تحسب عمرها بعدد أزواجها (الرجال الذين تعاشرهم) لا بعدد سنيها.”

         أما المرأة الصينية فكانت ذات مكانة مرموقة و لها وقار الأمومة. و في الهند تقتضي العادات بحرق المرأة عند موت زوجها و كأنما هي شيء ملحق به و لا نفع منه بعد موته.

         و في حضارة بابل كانت المرأة ذات مكانة رفيعة. فعشتار هي التي طلبت جلجامش للزواج و ليس العكس. و لكن الطلاق كان بيد الرجل بسبب أو بغير سبب. و قد دلت الآثار على وجود مدراس لتعليم البنات إلى ما يقرب التعليم الجامعي في زماننا الحاضر. و هذا يدل على مكانة المرأة في المجتمع البابلي.

         و قد بلغت المرأة في الحضارات القديمة أرفع المكانة في الحضارة المصرية. فكانت الزوجة تسمى سيدة البيت و كان يحق لها أن تشترط تعويضاً إذا جمع بينها و بين زوجة أخرى. و من وصايا البردي المحفوظ وصية أب لابنه: “ضاعف أرغفة الخبز التي تعطيها أمك و احملها كما حملتك.”

المرأة في المسيحية و الإسلام

اعتنت المسيحية الأولى بتطهير النفس البشرية من الفساد الذي عم قبل ذلك في المجتمع. و كانت تدعو إلى الاعتصام من مغريات الجسد على العموم. و هذا ما نجم عنه الاكتفاء بزوجة واحدة و تقييد الطلاق الذي كان شائعاً و كان ينذر بزوال الأسرة و الاستقامة في العلاقة بين الرجل و المرأة.

         و كانت دعوة المسيح عليه السلام ذات أثر كبير في تطهير المجتمعات من شوائب الدولة الرومانية. و لم يرد في الأناجيل نص بتحريم تعدد الزوجات، و لكن الكنائس حرمته بالاجتهاد و رداً على الفساد المستشري آنذاك. و قد استفادت المرأة من تقدم الآداب المسيحية و لكن الشرائع بقيت كما كانت عليه في الدولة الرومانية. فلم تزل المرأة فيها محجوراً عليها في معاملاتها إلى ما بعد الثورة الفرنسية بزمن غير قليل.

         أما الإسلام فقد أعطى المرأة حق التعامل و الولاية على أطفالها. و كان التشريع واضحاً فيما يخص حقوق المرأة. و لم يفرق الإسلام بين الرجل و المرأة في تلقي الخطاب و المسؤولية. و قد أباح الإسلام تعدد الزوجات و اشترط العدل و الاكتفاء بواحدة عند تعذر العدل. و أما الحجاب فهو لصيانة الأخلاق في المجتمع بشكل عام و النص واضح حول هذا و لا يتسع المجال لمناقشته هنا.

تحرر المرأة

التحرر هو التخلص من القيود. أليست الجاذبية الأرضية قيداً لا حول لنا و لا قوة نحوه. فهي تحد من حريتنا و تمنعنا أن نكون كالطيور. و لكن هذا القيد ضرورة لا بد منها للحياة. فليس كل قيد ضار.

         و مع هذا ضاق الإنسان بهذا القيد و حاول مراراً التملص منه، و استطاع ذلك بعون الله. و لكنه مهما طار و ارتفع و حلق في الفضاء الرحيب عاد إلى أمه الأرض لتضع القيد المحبب في يده.

         هذا قيد من القيود و غيره كثير. الجهل قيد و الفقر قيد. يقول د. أحمد زكي: “الناس تحس الفقر قيداً و لكنها أبطأ في أن تحس الجهل قيداً.”

         و لندخل الآن في صلب الموضوع. هل هو طلب تحرر أم طلب مساواة؟

فإن كان الطلب للتحرر، فمن ماذا؟ صحيح أن المرأة مرت في مجتمعنا بفترة سلبت فيها حقوقها و كرامتها  متأثرين بواقع المرأة في أوروبا في القرون الوسطى. و لكنها فترة و انقضت و سحابة و انقشعت. و عاد نور الشمس يسطع من جديد. فالديانات السماوية الثلاثة التي ظهرت في أرضنا لا تسمح بإهانة المرأة أو سلبها حقوقها.

         و أخشى أن البعض يعني بالتحرر التملص و التمرد على كل الشرائع و الأعراف التي رسخت في المجتمع. و أقصد هنا بالأعراف المستمدة أصلاً من الشرائع و من الأخلاق الحميدة لا الأعراف التي بدأت تنتشر أو كانت منتشرة نتيجة لجاهلية مستوردة.

         و نتساءل هل المرأة مقيدة حتى تطالب بالتحرر؟ هل تسعى المرأة العربية لتكون كالمرأة الغربية؟ هل تعلم المرأة في بلادنا كم تباع المرأة و تشترى في البلاد المتقدمة صناعياً. ألم تلاحظ كيف تستغل المرأة في الدعاية و الإعلان للبضائع و جذب الزبائن. و هل خلق الله تعالى المرأة لهذا، سبحانه؟

         في إحصائية و دراسة أجريت حول النساء العاملات في مصانع إحدى شركات صناعة السيارات الفرنسية، أجمعت العاملات على القول: يا ليتنا كنساء المسلمين. و أعتقد أنهن يقصدن النساء العربيات بشكل عام و لكنهن عبرن بقول المسلمين لغلبة الإسلام في منطقتنا.

         ألا يجب على المرأة العربية أن تتوقف عند هذا القول و تغوص في معانيه؟ لا أظن أحداً يعتقد أن العاملات في تلك الشركة يرغبن أن يصبحن كنسائنا لولا معرفتهن التامة بالتكريم الذي تحصل عليه المرأة في بلادنا. فالمرأة الغربية تغبط المرأة العربية على مكانتها و على التكريم الذي تنعم به.

أليس الشعار السائد في المجتمع الصناعي المتطور بزعمهم: من لا يعمل لا يأكل. فحتى المرأة عليها أن تعمل لتأكل. و يا ليتهم تركوها تعمل أعمال الرجال فحسب. لقد اختاروا لها أعمالاً في معظمها استغلال لجمالها و أنوثتها. و حتى عندما تعمل كالرجال فمعدلات الأجور هي أقل للنساء من للرجال.

و لا تستغرب إذا علمت أن المرأة العاملة في اليابان، حتى و إن كانت مهندسة، هي التي تصنع الشاي في المكتب و تقدمه للزبائن. هل هذا من التكريم، أم أنه من المساواة؟

و أما في بلادنا، فحق التعليم مضمون و أكدت عليه الشرائع السماوية و القوانين الوضعية. و حق العمل مكفول لها متى شاءت و بنفس أجور الرجل دون تمييز. و المرأة إن لم ترد العمل فالأخلاق في مجتمعنا و المستمدة من الشرائع السماوية تكفل لها الحياة الكريمة في كنف والدها أو زوجها.

و مع هذا فإن المرأة في مجتمعنا وصلت أعلى المراتب. فنجدها أستاذة في الجامعة ليس في الكليات النظرية فحسب و لكن حتى في كليات العلوم الهندسية و الطبية. و لقد قارنت مرة بين عدد الطالبات في كليات العلوم و الهندسة و الطب بأنواعها في جامعة حلب و جامعتي طوكيو و هيروشيما. و النتيجة كانت أن نسبة الطالبات في جامعة حلب تفوق نسبتهن في الجامعتين اليابانيتين في الكليات العلمية، فما ظنك بالكليات النظرية. حتى أن عدد المدرسات المهندسات و اللواتي يحملن شهادة الدكتوراه في كليات الهندسة في جامعة حلب يفوق عددهن في اليابان بكثير.

و لقد وصلت المرأة إلى الوزارات و السفارات و مثلت بلادنا في العديد من المحافل الدولية السياسية و العلمية و الاقتصادية.

فهل بعد هذا نتحدث عن التحرر؟

إن كلمة تحرر لا تليق بالمرأة. فهي ليست مقيدة و لا مستعبدة حتى تطلب التحرر.

فإن كان التحرر ليس هو المطلب، فلنطرق باب المساواة و لنرى هل هي المطلب الصحيح للمرأة أم ماذا؟

أعلن الماركسيون بعد الحرب العالمية الثانية مساواة المرأة بالرجل في جميع الحقوق و المزايا بل و حتى الواجبات. ثم اجتمعت هيئة الأمم فاتفقت على إعلان حق المساواة بين المرأة و الرجل في جميع الحقوق و المزايا. و من العجيب أن المعسكرين الشرقي و الغربي اتفقا على قول واحد في هذه القضية الإنسانية الخطيرة. و من المعلوم أن الشيوعية تمقت الأسرة و تعمل على هدمها لأنها دعامة النظام الاجتماعي الذي يقوم على رأس المال. فهم بتأييدهم حقوق المرأة، و هو حق يراد به باطل، يسعون لإخراجها من البيت لهدم الأسرة و حل روابطها. وهذا ما نراه جلياً في كتابات أنجلز و ماركس.

أما المعسكر الغربي فأيد فكرة المساواة حرصاً على سمة “الجنتلمانية” و التي هي بقايا من عهد الفروسية. فلا يليق بالرجل “الجنتلمان” أن يقول عن المرأة أنها لا تساوي الرجل.

إذاً لم يكن هدف كلا الطرفين من موافقة قرار هيئة الأمم رفعة المرأة و كرامتها فعلاً. بل كانوا يهدفون إلى ترسيخ دعائم فكرهم عن طريق المرأة.

و القضية ليست قضية مساواة. فكيف المساواة بين جنسين خلقهم الله مختلفين، لكل طبيعته و تكوينه. أليس الله بأعلم بمن خلق. و لو أراد أن يجعلهم جنساً واحداً لفعل. و لكن لحكمة أزلية جعل الزوجين الذكر و الأنثى.

و من اللطيف أن نذكر هنا، أنه يوجد في اليابان الكثير من الجامعات النسائية التي لا يدخلها الرجال. فهل هذا إلا فطرة و طبيعة تقتضي التمييز بين الجنسين.

و بعد هذا الكلام في المساواة نجد أنها هي أيضاً ليست المطلب. فلا يليق بالمرأة أن تتساوى مع الرجل و لا العكس. فلكل وجهة هو موليها و هدف هو قاصده و طريقة هو متبعها.

فإن لم يكن التحرر و لا المساواة فماذا إذاً؟

لم يبق فجاً نسلكه سوى القول بالحقوق و الواجبات.

لقد طالب المؤتمر النسوي المنعقد بعد الحرب العالمية الثانية بالتسوية بين المرأة و الرجل في الأجور و حق الانتخاب.

فأما الأجور فهذا حق. فكل من يعمل له أجره إن أتقن عمله امرأة كان أم رجل. و هذا ما هو سائد في بلادنا فلا فرق بين المرأة و الرجل من حيث الأجور و التعويضات المتممة. لا بل إن أخذت فترة الأمومة بعين الاعتبار نرى أن أجر المرأة أصبح أعلى من أجر الرجل عن نفس العمل الذي يقومان به. و لا ضير في ذلك. فنحن مجتمع يحترم الأسرة و يعلم أنها اللبنة الأساسية لبناء المجتمع. فحتى الرجل راض عن هذا لأن فيه منفعته و أبناؤه. و أما حق الانتخاب فقد ضمن الدستور ذلك. و يقول الدكتور يوسف القرضاوي ما معناه: إذا كانت النساء الفاسدات يقمن بدورهن في إفساد المجتمع بجانب الرجال الفاسدين، فإن على النساء الصالحات أن يقمن بدورهن في إصلاح المجتمع بجانب الرجال الصالحين.

خاتمة

إن الحقيقة التي لا خلاف عليها هي أن للمرأة حقوقاً مهضومة قد سلبت منها قديماً لا لأنها حقوق المرأة خاصة و لكن لأنها حقوق الضعيف.

         أما اليوم فقد أعيدت الحقوق إلى أصحابها و تنعم المرأة في مجتمعنا بكرامة السيد. فهي متساوية مع الرجل في الأجور. و حق العمل مكفول لها متى شاءت. و حق التعليم أولاً و قبل كل شيء مضمون للمرأة و للرجل على حد سواء. و حق الانتخاب نص عليه الدستور فلا ينازعها عليه أحد.

         ولكن هل تريد المرأة العربية أن تكون كالرجل في كل شيء؟

         إن كثيرات ممن يعملن في الوظائف يتمنين لو أن أزواجهن يكفونهن مؤونة العمل حتى يتفرغن للبيت و لذاتهن. و ما تزال المرأة تستغل أنوثتها في الكثير من المواقع حتى بات الرجل يغار منها و يحسدها على مكانتها.

         و إن ما نراه في مجتمعنا اليوم من بعض الظواهر السلبية و التي هي رواسب الأزمنة الغابرة و بقايا الأفكار المستوردة التي طرأت على مجتمعنا.

         و التعليم هو السبيل الوحيد لتطهير المجتمع من هذه البقايا و النهوض به إلى مجتمع يعطي المرأة حقها و يضمن لها كرامتها.

و يشترط للتعليم أن تكون مناهجه محلية مستمدة من تراثنا الغني بالأخلاق و القيم و ليست مستوردة من الشرق و لا من الغرب. فكلا الجانبين قد أفلس فيما يخص التربية الاجتماعية الأخلاقية و بدءوا بالعودة إلى تراثنا ليجدوا فيه الحلول.

المراجع

1- السلوك الإنساني: د. فخري الدباغ، كتاب العربي العدد 12، الكويت، 1986.

2- المرأة ذلك اللغز: عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي، بيروت، 1970.

3- من فقه الدولة في الإسلام: د. يوسف القرضاوي، دار الشروق، القاهرة، 1997.

4- الحرية: د. أحمد زكي، كتاب العربي العدد 1، الكويت، 1984.

5- دليل جامعة طوكيو، 1997.

6- دليل جامعة هيروشيما، 1995.

7- دليل الجامعات السورية، وزارة التعليم العالي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s