الحثالة: المشهد 6

كتبها أحمد عاصم المنصور

جلس فاضل في المقهى منتظراً شريف وقد انتقى مكاناً منزوياً هادئاً ليس فيه اكتظاظ للطاولات، فلم يكن يريد أن يسمع أحد ما يدور بينه و بين شريف. جال ببصره مراقباً الناس من حوله، كانوا على أشكال شتى. منهم من جلس يتحدث عن عمل و منهم من يطلق النكات ضاحكاً بصوت مرتفع مثير للاشمئزاز ومنهم من يلعب الشطرنج و آخرين يلعبون الورق وآخر جلس بمفرده يتأمل حال الناس و يفكر بينما يرتشف فنجاناً من القهوة أطال في شربه وكأنه جرة. لقد تأخر شريف ما الذي حدث له. لقد مضى على موعدي معه أكثر من ربع ساعة. وقف فاضل عازماً على المغادرة و لكنه تذكر أن التأخر على المواعيد هو صفة من صفات أعضاء جمعيتهم. المشكلة أن فاضل هو الذي يتأخر عادة و لكن هذه المرة و لكثرة شوقه و لهفته لسماع قصة شريف فقد جاء قبل الموعد ببضعة دقائق. عاود الجلوس مرة أخرى مؤنباً نفسه على سوء ظنه بشريف، فهو لم يفعل سوى ما تعلموه و تدربوا عليه في جمعيتهم. فإخلاف الوعد من شيمهم. أول مرة أعرف شعور الناس الذين نتركهم ينتظرون. لقد وقعت في شر أعمالي. ربما علينا مراجعة هذه الصفة فينا فهي تنقلب علينا في بعض الأحيان. وهكذا بدأ يوازن الأمور بعقل مختلف ويرى في خلوته هذه ووحدته ما لم يكن يراه في زحمة حياته. ولكنه انتفض فجأة و غلبه شيطانه فقال لنفسه: ما هذه الوساوس، ستفسدني و تجعلني من هؤلاء الأخيار المساكين الذين لا حول لهم و لا قوة في المجتمع. وانتبه فجأة على صوت يناديه فاضل، فاضل. أه، شريف، أين أنت يا رجل. كدت أمل الجلوس وحدي. آسف لقد شغلني أمر مهم، ولكن لم أتأخر سوى عشرين دقيقة. إنها ضمن المدة الدنيا المسموح بها لنا. لو أتيت قبلاً لكنت فقدت إحدى صفاتي. دعك من هذا الآن و حدثني ببقية القصة يا شريف. لقد تركت الكثير من الأعمال حتى آتيك و استمع لقصتك. اسمع باقي القصة يا شريف. أتذكر صاحب المعمل الذي سرقت لأجله الوثائق من المعمل الثاني. نعم أذكر، ماذا حدث بعد ذلك؟ اتصل بي بعد أسبوع من تسليمه الوثائق التي سرقتها من المعمل الآخر، و طلب مني أن أقابله وحدد لي الزمان و المكان. حضرت إلى المكان المطلوب و قرعت الباب ففتحه رجل و كأنه واقف خلفه. قادني الرجل إلى غرفة و طلب مني الانتظار فيها. وبعد بضعة دقائق فتح الباب و دخل رجلان أحدهما الذي كلفني بسرقة الوثائق من الشركة الثانية و الآخر، تصور من يكون الآخر. لا أعلم لقد شوقتني. قل لي بربك يا شريف من يكون. إنه صاحب المعمل الثاني الذي سرقت الوثائق منه. ذهلت لرؤيتي الرجل و بدا ذلك على وجهي. فعرفا ذلك الارتباك علي وقالا معاً: لا بأس عليك، لا تخف فنحن شريكان. وقد فعلنا ذلك لاختبار قدراتك و قد أثبت فعلاً أنك ماكر مخادع شرير، و لكن ينقصك بعض التدبير و سنقوم بتطوير مهاراتك هنا لمدة شهرين قبل أن نكلفك بالمهمة الرئيسية. ومضت الأيام و أنا أتدرب على يد أشخاص مختلفين. أحدهم يعلمني بعض اللغة الإنكليزية و آخر يدربني على الكلام الرفيع المستوى على طريقة التجار الكبار أو الدبلوماسيين و آخر يرشدني إلى السلوك المناسب في كل حالة. وعند نهاية الشهرين أصبحت شخصاً آخر، أو لنقل أني أستطيع تمثيل شخص آخر. ثم عقدا معي اجتماعاً و عرضا علي المهمة الموعودة. طلبا من ي أن أذهب إلى إحدى دول الخليج و أتقرب من أحد كبار رجال الأعمال حتى أتمكن. وبعدها كان علي أن أسرق ماله عن طريق صفقة وهمية ثم أهرب عائداً إلى بلدي. وقد فعلت ذلك بنجاح و أخذت أجرتي التي بلغت خمسة ملايين دولار.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s