الحثالة: المشهد 5

كتبها أحمد عاصم المنصور

فاضل أيها الحبيب. كيف حالك؟ لم أسمع صوتك منذ زمن بعيد. كان ذلك صوت شريف على الطرف الآخر من الهاتف. وشريف هذا هو صديق فاضل وعضو في جمعية اللافضيلة ولكنه كان خارج البلاد لسنوات يعمل و يجمع المال. تفاجأ فاضل لسماع صوته بعد طول غياب. أهلا وسهلاً، كيف حالك يا شريف؟ لم أصدق أذناي. أريدك في أمر هام. يجيبه شريف. إذاً تعال إلى دكاني لنتحدث في الأمر. وصل شريف بعد ساعة فقام فاضل واستقبله معانقاً مهنئاً بعودته إلى الوطن. بدأ فاضل بالحديث قائلاً: هل هي زيارة قصيرة إلى الوطن. لا، لقد أنهيت أعمالي في الخارج وأنا الآن هنا وأخطط لتأسيس شركة تجارية بالمال الذي جمعته. و لكن لم يمضي على سفرك سوى خمس سنين، فهل جمعت من المال ما يكفي لتأسيس شركة؟ يتسأل فاضل. لو كان الأمر طبيعياً لما استطعت جمع المال الذي عدت به. ولكني أنجزت مهمة صعبة بعد أن خططت لها لسنتين،  و بالنتيجة استطعت أن أعود ومعي مليونا دولار. ذهل فاضل لسماع الرقم وتشوق لمعرفة القصة و المغامرة التي قام بها صاحبه حتى حصل على هذه المكافأة. أخبرني القصة بالله عليك. حسناً سأروي لك كل ما حصل معي من يوم غادرت البلد وحتى عودتي منذ شهرين.

منذ خمس سنين كنت لازلت أحاول بناء ذاتي و عملت أعمالاً متعددة. تقلبت بين التجارة و الصناعة و الحرف وكلها لم تجد نفعاً. لم أحصل على المال الذي أريد ولا على المكانة التي أتطلع إليها. بقيت على هذه الحال لفترة وأنا أعيش على القليل الذي أحصل عليه كل أسبوع من رب عملي. كنت أتسأل في نفسي إلى متى سيستمر هذا؟ ماذا أفعل حتى أصبح من ذوي الأموال و التجارة؟ لا أخفيك أني حاولت بعض الطرق غير المشروعة والاحتيال، ولكن للأسف لم تكن لدي الخبرة الكافية لأنجو بأفعال كهذه. فكان الفشل ينتظرني في كل مرة. ولكن الحمد لله لم يقبض عليَّ ولم أزج في السجن. استمرت أيام التعاسة و الشقاء والطعام القليل و التقتير والقلة في كل شيء إلا من الفقر و الجوع والمهانة. أبيت جوعاناً و أصحو مرعوباً. إذا جعت أخشى ألا أجد طعاماً و إذا نمت ألا أجد لحافاً وإذا عطشت ألا أجد سقاءاً. بؤس يحيط بي من كل جانب. أنت تعلم يا فاضل أن أعضاء جمعيتنا لا يعينون الضعفاء. لقد تركوني، على مبدأ الجمعية، حتى أصنع نفسي بنفسي. لم يمد أحد يد العون لي. كان علي أن أنجو وأن أكبر في عالم لا يرحم. عالم ليس فيه مكان للضعيف، القوي يأكل فيه الضعيف. كنت ضعيفاً و على وشك أن أصبح وجبة ساخنة على غداء أحدهم ولكن روح الحياة و الأمل في مستقبل أفضل جعلاني أنجو وأفكر كيف أقلب الطاولة. كيف أكون أنا من يأكل لا من يؤكل. وفي أحد الأيام وبينما أنا أعمل في أحد المصانع دخل رجل إلى المصنع و كان يخاطب رئيس العمال ويحدثه عن حاجته إلى شخص ماهر فيه صفات الدهاء. سمعت كلامهم ولم أشعرهم بأني مهتم بالأمر. وبعد أن ابتعد رئيس العمال، مكث الرجل يلتفت يميناً و شمالاً. لقد كان الأخ الأصغر لصاحب المعمل. فاقتربت منه وقلت بصوت هامس: أنا ذلك الرجل الذي تبحث عنه. نظر إليَّ محدقاً وهو لا يعلم ما يجيب. لم يتوقع أن هذا العامل الصموت البسيط الذي لا يتكلم إلا نادراً ينطق بهذه الجرأة ليعلن أنه الداهية الذي يمكن أن يفعل ما يريد. وهل سمعت حديثنا كله؟ نعم، بل و أسمع كل حديث يدور حولي وأحفظ كل همسة تطير في الهواء. تعال إلى مكتبي إذن لنكمل الحديث هناك.

بادرني بالحديث قائلاً: وكيف لي أن أعرف مدى إخلاصك ومهارتك للقيام بما أريد؟ ثق بي فأنا من تبحث عنه و سأفعل كل ما تريد. سأمتحنك إذن ونتيجتك هي التي تقرر إن كنت سأستخدمك أم لا. أنا مستعد لكل أنواع الامتحانات، فقط أعطني فرصة لأثبت لك أني بالمواصفات المطلوبة. تعال إلى مكتبي غداً قبل بدء العمل وسترى على طاولتي مظروفاً فيه التعليمات. إياك أن تنظر إلى أي ورقة أخرى على الطاولة أو تعبث بشيء.

وفي الصباح ذهبت مبكراً نصف ساعة ودخلت إلى غرفته فوجدت مظروفاً لم يكتب عليه شيء. خشيت أن لا يكون المظروف المطلوب وراودتني نفسي أن أبحث عن غيره بين أوراق المكتب و لكن قبل أن آتي بأي حركة تذكرت ما قاله لي فأرعويت. وكيف لي أن أخالف قوله و المكتب مليء بكاميرات المراقبة. أخذت المظروف على عجل و غادرت الغرفة إلى غرفة تبديل الملابس التي كانت فارغة حيث أن الوقت مبكر ولم يأت أحد من العمال بعد.

فتحت المظروف وإذا بورقة صغيرة مكتوب فيها: مهمتك أن تذهب و تعمل في المعمل المنافس لمدة أسبوع تسرق خلاله تركيب بعض الخلطات وتأتي بها إلي.

إن كان هذا هو الامتحان فما تكون المهمة الرئيسية؟ إنه امتحان صعب. لم يسبق لي أن قمت بالتجسس والتخفي أو تغيير الشخصية. جل أعمال الاحتيال التي قمت بها كانت بسيطة، الاحتيال على عجوز أو عاجز أو تسهيل الرشوة لموظف. ما هذه الورطة التي أقحمت نفسي فيها. ولكن شعوراً كان يراودني بأني على وشك الوصول إلى مبتغاي، الوصول إلى المال و عالم الأعمال. وقررت أن أقوم بالمهمة مهما كان الثمن.

كان علي أن أخطط كل شيء بنفسي وألا أعتمد على أحد و أن أغادر هذا المعمل ولا أعود إليه إلا ومعي شهادة النجاح كمحتال وداهية.

انتظرت حتى أتى الموظفون و ذهبت إلى شؤون العاملين و كتبت على عجل ورقة استقالتي من المعمل وقدمتها للموظف المسئول الذي أخذها مندهشاً من فعلي سائلاً: وهل وجدت عملاً آخر؟ أجبته بلهجة الساخر: ليس من شأنك، لا أريد العمل هنا، سأعود بعد أسبوع لأخذ مستحقاتي، أرجو أن تسرع لي بها. وغادرت المكان مسرعاً إلى منزلي كي أخطط للعملية.

وفي اليوم التالي ذهبت إلى المعمل المنافس وتقدمت بطلب وظيفة. لقد صارحتهم بأني كنت أعمل في المعمل السابق و أني تقدمت باستقالتي أريتهم صورة عنها. سألني أحد الموظفين وما هي دواعي استقالتك؟ قلت لهم أن تلك الشركة لا تنصف العمال وتقتطع من أجورهم وتوردهم الهلاك بسبب ظروف العمل غير الصحية إلى غير ذلك. وماذا كنت تعمل لديهم؟ كنت عاملاً بسيطاً ولكني أتابع كل حركاتهم و سكناتهم و أعرف الكثير عن الإنتاج وعن الخلطات. قال لي أحدهم: لابأس، سنتصل بك بعد يومين.

لن أطيل عليك، تفاجأت بقبولهم لي وعملت لديهم على الفور و استطعت أن أكسب ثقة صاحب المعمل حيث أوهمته أني سأعطيه أسرار المعمل الأول وهكذا اقتربت كثيراً من تنفيذ المهمة. وخلال هذه الفترة لم أتصل بصاحب المعمل الأول وكأني لا أعرفه و أنا عازم على تنفيذ المهمة ثم المثول بين يديه و في جعبتي ما يريده من أسرار المعمل المنافس.

وفي اليوم الثالث لعملي الجديد فوجئت باستدعاء صاحب المعمل لي. طرقت باب مكتبه و أذن لي بالدخول. وجدت شاباً يجلس خلف الطاولة بصمت ووقار، عليه مهابة خفية وتعلو وجهه ابتسامة ذكية. أطال النظر إلي دون أن يتكلم ثم أعرض عني و أخذ ورقة من على مكتبه ورفعها أمام وجهه حتى اختفى خلفها وبدأ بالقراءة. ولدت في يوم كذا عام كذا و عملت في معمل فلان ثم عند فلان، وإذا بها سيرتي الذاتية التي كتبتها في مكتب شؤون العاملين عندما تقدمت إلى العمل في معمله. ثم توقف عن القراءة في معلوماتي الشخصية ونظر إلي نظرة تختلف عن التي كانت تعلو وجهه عندما دخلت عليه، نظرة توحي بالخبث و المكر. لنتحدث بصراحة ودونما لف و دوران. كيف تثبت لي أنك لست جاسوساً للمعمل الآخر؟ فوجئت بسؤاله ولكني لم أظهر أية علائم على وجهي، بل بقيت ساكناً هادئاً وأجبته: تستطيع أن تختبرني سأثبت لك ولائي. فأجاب على الفور: هل اطلعت على الخلطات عندما كنت تعمل هناك. سر قلبي لهذا السؤال وكنت أتوقعه. نعم يا سيدي، أستطيع أن أخدمك في هذه. لقد سرقت بعض ملفات المعمل المنافس قبل مغادرتي انتقاماً منهم على ما فعلوه معي. و أين هي تلك الملفات؟ في منزلي، استطيع إحضارها غداً. حسناً، لا تأتي غداً إلى المعمل و انتظر سائقي حيث سيأتي إليك في التاسعة صباحاً ليقلك إلى مكتبي الذي في المدينة، ولا تنسى أن تحضر معك الملفات. حاضر، سأفعل ما تأمرني به.

وفي الصباح جاء السائق و أقلني إلى مكتب صاحب المعمل. وهناك طلب مني الدخول إلى غرفة تحوي طاولة مكتب و كرسي. بقيت واقفاً حتى أتى صاحب المعمل، لماذا تقف؟ اجلس خلف الطاولة و افتح الملف الذي تراه أمامك. فتحت الملف و إذا به يحوي خلطات لمنتجات المعمل. ابتسمت في داخلي، هذا ما أبحث عنه وجئت لأجله. أبهذه البساطة أحصل على ما أريد؟ نبهني من شرودي قائلاً: هذا الملف الذي أمامك يحوي خلطات معملنا، أريدك أن تقارنها مع الخلطات التي أحضرتها معك، و أن تضع خطاً أحمر عند كل فرق في نسب المواد. أين الملفات التي أحضرتها؟ إنها معي يا سيدي. و أخرجتها من الكيس الذي أحمله ووضعتها على الطاولة. أدار ظهره خارجاً، وعند الباب قال لي من اليوم عملك في هذه الغرفة بشرط لا تدخل معك أي شيء و لا تخرج أي شيء و الكاميرات كفيلة برقابتك، مفهوم. نعم يا سيدي. سأفعل ما تأمرني به. ثم خرج من الغرفة وكدت لفرط فرحتي أن أنسى كاميرات المراقبة. فظلت ساكناً في موضعي دون حركة لدقائق أنظر إلى الملفين دون أن أمسهما. قلت لنفسي أنا لا أفهم في الكيمياء ولا أعلم رموزها بل كنت أغبى طالب في الصف أثناء الدراسة. كانت تبدو لي مثل الطلاسم و الإشارات الفضائية. كيف لي أن أميز بين الخلطات وأعرف الفرق بينها. أنا لص و أتيت لأسرق و إذا بي في امتحان كيمياء، ماذا أفعل؟ وبقيت على هذه الحالة لأكثر من ساعة ظلت فيها عاكفاً على الملفين بنظري دون أن أحرك كلتا يداي. ثم مرت ساعة ثانية و ثالثة و أنا في مكاني لم أحرك حتى رأسي بل ظل منحنياً انحناءة بسيطة محدقاً بالملفين. وهكذا حتى قطع علي سكوني أحد الموظفين فهمت عندها أنه كان يراقبني على الكاميرا. هل أنت بخير؟ إنك لم تتحرك منذ أربع ساعات تقريباً. نعم أنا بخير، إنها الكيمياء تحتاج إلى تأمل و نظر. هل أحضر لك شراباً ساخناً؟ نعم لو سمحت، أنا فعلاً أحتاج إلى شراب، أشكرك. ثم خرج من الغرفة. وخلال خمس ثوان أخذت الملفات التي على الطاولة ووضعتها في صدري واتجهت نحو الباب مستغلاً زمن وصوله إلى غرفة المراقبة مرة أخرى. فتحت الباب ونظرت فلم أجد أحداً فاتجهت صوب باب المكتب الرئيسي هارباً و لم ألتفت خلفي. نزلت الدرج مسرعاً وأنا أنصت السمع عل أحد يتبعني. خرجت من باب البناء إلى الشارع وركضت إلى آخر الشارع، و عند الزاوية وجدت سيارة أجرة واقفة، اندفعت إلى داخلها قائلاً للسائق: بسرعة لو سمحت فلدي اجتماع ضروري. قصدت منزل صاحب المعمل السابق وقرعت الجرس. فخرجت ابنته. أعطيتها الملفات و قد كتبت عليها رقم هاتفي ليتصل بي ثم غادرت مسرعاً إلى منزلي. وفي المساء اتصل بي صاحب المعمل السابق يهنئني على نجاح العملية بهذه السرعة المذهلة. لقد أثبت فعلاً أنك جريء و ماكر. سأتصل بك عن قريب من أجل المهمة الرئيسية.

وهكذا يا صاحبي، محدثاً فاضل، تنطوي أولى صفحات قصتي مع المجد. عجيب أمرك كيف تصرفت بهذه السرعة و كيف كسبت ثقة الطرفين. إنك فعلاً تستحق ما وصلت إليه دون أن أعرف بقية القصة. بالله عليك كيف تراني؟ ألست نذلاً بما فيه الكفاية لأستحق عضوية الجمعية. أجاب فاضل: نعم تستحق منصب رئيس الجمعية، وأنا أنتظر بقية القصة و كيف حصلت على الملايين هذه. سأخبرك بها قريباً عندما نلتقي مرة أخرى. والآن أعذرني فلدي عمل أقوم به. آه، لقد فاتني أن أطلب منك ما جئت لأجله. يجب أن نلتقي قريباً جداً. ما رأيك أن نلتقي هذا المساء و سأخبرك بالقصة و بماذا كنت أريدك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s