الحثالة: المشهد1

كتبها أحمد عاصم المنصور

ركل علبة فارغة برجله و هو يسير على الرصيف المؤدي إلى محله التجاري. تذكر أنها ذات العلبة التي ألقاها ليلة البارحة بعد أن فرغ من شربها و تعجب لماذا لم يأخذها عامل النظافة أو بعض اؤلئك الذين يجمعون العلب المعدنية الفارغة ليبيعوها إلى معامل تدوير المواد حيث يعاد صهرها و تصنيعها.

دخل إلى محله وكانت الساعة عندئذ قد بلغت الواحدة ظهراً. تعال، صاح منادياً الصبي الذي يعمل لديه. هات القماشة وامسح الزجاج. ألم أقل لك ألف مرة أن تنجز هذه الأعمال قبل قدومي.

جلس إلى مكتبه آخذاً سماعة الهاتف بيده. ضغط الأزرار ببطء كمن يخشى استنفاد قوته. انتظر طويلاً قبل أن يجيب أحد ثم صاح محدثاً الطرف الآخر: أما زلت نائماً؟ كيف كانت سهرة البارحة؟ سمعت أن المطرب أطربكم وضارب الطبل أرقصكم حتى الصباح. كم تمنيت أن أكون معكم! أنت تعلم أن عرس ابن عمي كان البارحة وكنت مشغولاً. حفلتنا كانت ممتازة أمضيناها رقصاً و ضحكاً حتى ما قبل الفجر بقليل. لقد أحضرت الفرقة معها أحدث الألات الموسيقية و مكبرات الصوت. كان صوت المطرب مسموعاً إلى الحارات المجاورة. الحمد لله كانت سهرة ترفع الرأس. أجابه صاحبه: ونحن كانت سهرتنا ممتازة. تعرف أني أحب الرقصة العربية. لم أتوقف عن الرقص طيلة السهرة. قاطعه سائلاً: متى سأراك الليلة؟ هل هناك سهرة عرس في مكان ما لنحضرها معاً؟ أراك عند سعيد، أجابه صاحبه. اليوم السهرة عنده في بيته و قد وعدنا بعشاء فاخر من الكبب و المحاشي. حسناً، إذاً إلى اللقاء.

هذه هي عادته وحياته. فجل اهتمامه منصب على السهرات مع الاصحاب. يمضون الوقت في الحديث عن مبارايات كرة القدم، عن اللاعبين و تصرفاتهم في الملعب، عن المدربين وخططهم. أرأيت كيف لم يرض ذلك اللاعب بالتبديل ولم يخرج من الملعب عندما طلب منه المدرب؟ أنا معجب ببطولته! أرأيت كم من الفرص ضاعت على الفريق؟ أجمل ما في المباراة هي تلك الهجمة التي انتهت بتسديدة ارتطمت بالعارضة. صحيح أن الفريق الخصم لعب أفضل ولكن فريقنا كان يستحق الفوز. نحن دائماً نستحق الفوز، لعبنا أم لم نلعب، سمعنا كلام المدرب أم لم نسمع، احترمنا الأخلاق الرياضية أم لا. كل هذا لا يهم. المهم أن نفوز. ما أجمل الفوز مهما كانت السبل. والويل للوحات الإعلانات و السيارات التي نراها في طريقنا إن خسرنا سوف نحطمها جميعاً. و يستمر الحديث وإضاعة الوقت حتى يقاطع الكلام أحدهم للحديث عن أحدث موديلات الهواتف النقالة. ثم الحديث عن التعديلات غير المرخصة التي أجراها على سيارته وهكذا من حديث تافه إلى أتفه منه حتى مطلع الفجر.

أنا ذاهب إلى المصرف، نادى صبيه. انتبه إلى الدكان في غيابي. خرج باتجاه المصرف يدندن أغنية كان قد سمعها من المطرب ليلة البارحة. كلما دندن منها مقطعاً توقف متعجباً قائلاً في نفسه ما أعظم هذا المطرب! كم هو متمكن و متقن؟ هكذا يكون الرجال. ثم ينتقل إلى مقطع آخر فيدندنه. ويعود لدهشته من تميز المطرب وتفانيه. مرحباً يا أبا فادي، صاح على صاحب المحل الذي يقع على الرصيف المقابل. كيف الحال؟ هل استفتحت أم ليس بعد؟ يلقي السؤال تلو الآخر دون انتظار الجواب. و أبو فادي لا يجيبه بل يلوح بيده فقط مشغول مع زبون عنده. أخرج من فمه علكة كان يمضغها وألصقها على الجدار. بقي من العلكة شيء يسير ملتصق بيده فمسحه بالشجرة. ألم تنهوا أعمال الحفر؟ قالها متأففاً للعمال الذين يحفرون خندقاً على طول الطريق من أجل توسعة شبكة الهواتف.

وصاحبنا اسمه فاضل –على غير مسمى- وكنيته أبو الخير –على غير مكنى- وهو عضو في جمعية اللافضيلة. وهي جمعية تنضوي تحت لوائها حثالة المجتمع. الحثالة الذين لا يرعون ذمة ولاحرمة. إذا عاهدوا لم يوفوا و إذا حدثوا كذبوا وإذا عاملوا الناس فجروا وإذا ائتمنوا خانوا. همهم إشباع رغباتهم وملء بطونهم وجيوبهم. يدفعون الرشاوي لتسيير معاملاتهم حقاً كانت أم باطلاً. الحق عندهم باطل و الباطل عندهم حق. يستجدون أصحاب النفوذ والمال ويقفون على عتباتهم طمعاً في الوصول. متسيبون في عملهم إذا كانوا موظفين في الدولة. لا يمانعون قبض الراتب دون عمل. يأتون إلى الوظيفة للتسلي و تبادل المعلومات الإجتماعية ويمضون معظم أوقات العمل في القيل والقال والأزياء وموديلات الملابس والهواتف النقالة والسيارات واسعار الذهب والفضة. إذا دخل عليهم ذو النفوذ أو المال قدسوه وبشوا في وجهه ويسروا له أمره وذللوا كل العقبات في وجه معاملته. و إذا دخل المواطن البسيط احتقروه وعبسوا في وجهه وعسروا له الأمور وأضافوا العقبات حتى يضطر إلى دفع المعلوم. وأما من كان منهم من أصحاب الأعمال الخاصة فعليه مجاراة زملائه الموظفين الأعضاء في جمعية اللافضيلة. فالموظفون يعيثون في المجتمع فساداً من وراء مكاتبهم أما أصحاب الأعمال الخاصة فساحة نشاطهم كل المجتمع. الشارع مليء بأوساخهم وألفاظهم النابية. وإن كنت من أصحاب الحظ التعيس فسوف تمضي معظم حياتك معهم من الصباح إلى المساء. فهم إن جاوروا جاروا ولم يرعوا حقوق الجيران. يلقون أكياس قمامتهم أمام منزل الجيران لا أمام منزلهم. وإذا كنسوا الشارع أمام بيتهم نقلوا الأوساخ إلى أمام الجيران. يضعون الرمال الضرورية لأعمال البناء نصفها في الشارع و نصفها على رصيف المشاة. وويل لك لو اعترضت أو نصحت، فسوف يأتيك من أعضاء جمعية اللافضيلة أجوبة مثل: ما دخلك أنت، هذا ليس عملك، هل تعلمنا الفضيلة، نحن أعلم منك بالتصرف الصحيح، من أنت حتى تعلمنا كيف نتصرف، إذهب وعلم نفسك أولاً، وغيرها من الأجوبة التي تجعل الحليم حيران. وإذا أخطأت أنت وخرج من بيتك بعض الرمل على الرصيف تجده يسارع على الفور إلى التهجم عليك و اتهامك بعدم مراعاة حقوق الجوار و قلة الذوق. تمضي الشهور و صوت الحفارات يهدر في بيته لحفر حوض للسباحة، و جميع الجيران يحتملون بصمت تحاشياً للصدام معه على مبدأ داروا سفهائكم. والويل لمن يضطر لثقب ثقب في جدار بيته لغرض ما، فسوف ينقض عليه صاحبنا قائلاً: متى ستنتهي من هذا؟ لقد احتملنا كثيراً، لقد سئمنا العيش معكم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s